ندى أندراوس - خاص الأفضل نيوز
في 24 شباط الحالي، لا ينعقد في القاهرة مجرد اجتماع تمهيدي تقني لمؤتمر دعم الجيش اللبناني في باريس، بل يُفتح عملياً ملف الثقة الدولية بالمؤسسة العسكرية اللبنانية، وبقدرة الدولة على ترجمة التعهدات إلى وقائع ميدانية. فالموعد المصري، وفق ما رشح من أوساط دبلوماسية عربية وغربية، سيكون بمثابة اختبار سياسي قبل أن يكون ورشة تنسيق مالي أو لوجستي.
تقول هذه الأوساط للأفضل نيوز إن المؤتمر المرتقب في الخامس من آذار المقبل في باريس، الذي تعمل عليه فرنسا منذ أسابيع، يأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية: حرب إسرائيلية مفتوحة على لبنان، ضغوط دولية لتطبيق القرار 1701 بحذافيره، وقلق غربي من انتقال المواجهة الداخلية شمال الليطاني. في هذا السياق، لم يعد الدعم الدولي للجيش مسألة إنسانية أو مؤسساتية فحسب، بل أصبح مرتبطاً مباشرة بدوره في إعادة تثبيت قواعد الاشتباك وضبط السلاح غير الشرعي خارج إطار الدولة.
ما يُقلق عواصم القرار، وخصوصاً واشنطن وبعض العواصم العربية، هو ما تعتبره «ضبابية» في مقاربة ملف حصر السلاح شمال الليطاني. فبينما تؤكد القيادة العسكرية التزامها تنفيذ قرارات الدولة والشرعية الدولية ضمن الإمكانات المتاحة، قالت جهات مانحة للأفضل نيوز إن الأداء الميداني لا يعكس حتى الآن خطة واضحة المعالم زمنياً وتنفيذياً. هنا تحديداً يكمن التحدي الذي سيحمله الوفد اللبناني إلى القاهرة: كيف يمكن طلب دعم مالي وعسكري إضافي، في وقت لا تزال الأسئلة السياسية الكبرى معلّقة؟
لهذه الأسباب، تابعت المصادر مؤكدة أن هناك اتجاه لربط فعلي لأي دعم نوعي إضافي، سواء على مستوى العتاد أو برامج التدريب أو التمويل المستدام، بتعهدات لبنانية واضحة تتصل بتوسيع الانتشار الفعلي للجيش وتعزيز حضوره في المناطق الحساسة وتنفيذ إجراءات واضحة وملموسة في حصر السلاح شمال الليطاني. وهذا الربط، إن تأكد، يضع الدولة اللبنانية أمام معادلة دقيقة: كيف توفّق بين توازناتها الداخلية المعقدة وبين شروط المجتمع الدولي الذي يمسك اليوم بمفاتيح الدعم المالي؟
الخشية إذا لم ينجح اجتماع القاهرة في تبديد الهواجس، فقد نشهد خفضاً في سقف التوقعات، أو إعادة صياغة جدول أعمال مؤتمر باريس بما يتضمن بنوداً رقابية صارمة وآليات متابعة دقيقة.
في المقابل، يدرك الجيش أنه يقف على خط تماس دقيق: فهو مطالب بالحفاظ على الاستقرار الداخلي ومنع الانزلاق إلى فوضى أمنية، وفي الوقت نفسه طمأنة الخارج إلى جديته في تنفيذ ما يُطلب منه. أي خلل في هذا التوازن قد ينعكس مباشرة على معنويات المؤسسة وعلى قدرتها على الصمود في ظل أزمة اقتصادية خانقة تضرب رواتب العسكريين وتجهيزاتهم.
من هنا، يكتسب اجتماع القاهرة بعداً يتجاوز الطابع الإجرائي. إنه اختبار لمدى قدرة لبنان الرسمي على تقديم رؤية متكاملة: خطة أمنية واضحة، جدول زمني واقعي، وتأكيد سياسي جامع يغطّي دور الجيش ومعه القوى الأمنية. فالسؤال الذي يطرحه الشركاء الدوليون اليوم ليس فقط: ماذا يحتاج الجيش والأجهزة الأمنية؟ بل أيضاً: ما الذي ستفعله هذه المؤسسات مقابل هذا الدعم؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط نتائج مؤتمر باريس، بل أيضاً موقع المؤسسة العسكرية في المعادلة الإقليمية المقبلة. فإما أن يتحول الدعم الدولي إلى رافعة فعلية لتعزيز الدولة، وإما أن يصبح أداة ضغط إضافية في لحظة لبنانية شديدة الهشاشة.

