تقف "إسرائيل" اليوم في نقطة تحول استراتيجية هي الأخطر منذ عقود، فبينما يمتلك الجيش الإسرائيلي "بنك أهداف" ضخما وجاهزاً للتنفيذ في العمق الإيراني، تصطدم هذه الرغبة العارمة في "تغيير وجه الشرق الأوسط" بحائط صد صلب مصدره البيت الأبيض.
المعضلة ليست عسكرية تقنية، بل هي جيوسياسية واقتصادية بامتياز. فالإدارة الأمريكية، رغم خطابها الداعم لـ "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، تضع اليوم قيوداً صارمة على حجم وطبيعة الرد الإسرائيلي، والسبب لا يكمن في الخوف على طهران، بل في الخوف من "حرب طاقة مدمرة".
فوبيا أسعار النفط
تدرك واشنطن أن أي ضربة إسرائيلية تستهدف المنشآت النفطية الإيرانية أو المفاعلات النووية الحساسة، ستدفع طهران نحو خيار "شمشون"،أي حرق الأخضر واليابس في ممرات الملاحة الدولية.
التقارير الاستخباراتية التي وصلت للإدارة الأمريكية تحذر من أن الرد الإيراني قد يشمل إغلاق مضيق هرمز، واستهداف حقول النفط في دول الجوار، مما سيؤدي إلى قفزة جنونية في أسعار الطاقة العالمية تتجاوز الـ 150 دولاراً للبرميل. بالنسبة لواشنطن، هذا ليس مجرد رقم، بل هو زلزال سياسي قد يطيح بالاستقرار الاقتصادي الداخلي.
الاستراتيجية الإسرائيلية: "الفرصة الذهبية"
في المقابل، يرى نتنياهو والمؤسسة الأمنية في تل أبيب أن هذه هي "الفرصة التاريخية" التي لن تتكرر لتقليص قدرات إيران لعقود قادمة. الخطاب داخل أروقة هيئة الأركان العامة يشير إلى إحباط مكتوم من "سياسة القطارة" أو الضربات الجراحية المحدودة التي لا تردع، بل تستنزف المقدرات الإسرائيلية في حروب دفاعية طويلة الأمد.
التكتيك الأمريكي: شراء الوقت
إن "المهلة" التي يمنحها الجانب الأمريكي ليست مجرد فرصة للدبلوماسية، بل هي تكتيك عسكري مدروس. واشنطن تريد:
1. تعزيز الدفاعات: استكمال نشر المنظومات الدفاعية الأمريكية (مثل "ثاد") لضمان حماية القواعد الأمريكية في المنطقة.
2. الاحتواء السياسي: الضغط للوصول إلى صيغة رد "تحفظ ماء وجه إسرائيل" دون أن تشعل المنطقة بالكامل.
الحقيقة المرة التي يواجهها صانع القرار في تل أبيب هي أن السيادة الإسرائيلية في اتخاذ قرار الحرب أصبحت مرتبطة بشكل عضوي بالمصالح الانتخابية والاقتصادية لواشنطن.
إن "إسرائيل" تريد مهاجمة المزيد من الأهداف الحيوية، لكنها تجد نفسها مقيدة بـ "فيتو" أمريكي غير معلن، يخشى أن تتحول شرارة الهجوم في أصفهان إلى نار تلتهم محطات الوقود في فلوريدا وكاليفورنيا.
في نهاية المطاف، المعركة القادمة لن تُحسم فقط بصواريخ "أريحا" أو طائرات "إف-35"، بل ستُحسم في الغرف المغلقة حيث يتم موازنة "الأمن القومي الإسرائيلي" مقابل "أمن الطاقة العالمي".

