نوال أبو حيدر - خاصّ الأفضل نيوز
يشكّل المجتمع اللبناني نموذجاً استثنائياً في قدرته على التكيّف مع الأزمات المتتالية. فمنذ عقود، يعيش اللبنانيون ضمن دوامة من الحروب، الانقسامات السياسية، الانهيارات الاقتصادية والكوارث الاجتماعية، وصولاً إلى الأزمات المعيشية اليومية التي أصبحت جزءاً من تفاصيل الحياة. وقد ساهم هذا الواقع في تكوين ثقافة اجتماعية تقوم على مفهوم "الصمود" بوصفه أسلوب حياة، لا مجرد ردّ فعل مؤقت على الأزمات. إلا أنّ هذا الصمود، رغم ما يحمله من تماسك وثبات، ترك آثاراً عميقة على الصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية داخل المجتمع اللبناني.
الصمود كثقافة اجتماعية
لم يعد الصمود في لبنان مجرد قدرة على التحمّل، بل تحوّل إلى قيمة اجتماعية متجذّرة. فاللبناني يتربّى منذ الصغر على فكرة التأقلم مهما كانت الظروف، وعلى ضرورة متابعة الحياة حتى في أصعب اللحظات. وقد رسّخت التجارب الجماعية، مثل الحرب الأهلية والأزمات الاقتصادية وانفجار مرفأ بيروت وغيرها من الأزمات، هذا الشعور الجماعي بضرورة الاستمرار وعدم الاستسلام.
انعكست هذه الثقافة في تفاصيل الحياة اليومية، فالمواطن اللبناني غالباً ما يبتكر حلولاً بديلة لتجاوز الأزمات، سواء عبر تعدّد مصادر الدخل، الاعتماد على العلاقات العائلية، الهجرة المؤقتة أو شبكات التضامن الاجتماعي. كما ظهرت مبادرات أهلية وشبابية عديدة لتعويض غياب الدولة، ما عزّز الإحساس الجماعي بالمسؤولية والتضامن.
لكن هذا الصمود يحمل جانباً آخر، إذ تحوّل أحياناً إلى نوع من "التطبيع مع المعاناة"، بحيث بات الناس يعتبرون الأزمات أمراً طبيعيًّا ومتكرراً، ما يخفّف من قدرتهم على المطالبة بالتغيير الحقيقي أو رفض الظروف الصعبة والأزمات الخانقة.
تأثير ثقافة الصمود على الصحة النفسية
رغم الصورة الإيجابية التي يرتبط بها مفهوم الصمود، فإنّ تراكم الضغوط المستمرة ترك آثاراً نفسية عميقة على اللبنانيين. فالكثير من الأفراد يعيشون حالة من القلق المزمن والخوف من المستقبل، نتيجة غياب الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. كما ارتفعت معدلات التوتر والاكتئاب والإرهاق النفسي، خصوصاً لدى الشباب الذين يشعرون بأنّ مستقبلهم غامض وغير مضمون.
إلا أنّ ثقافة الصمود نفسها دفعت كثيرين إلى إخفاء معاناتهم النفسية، لأنّ التعبير عن الضعف يُنظر إليه أحياناً باعتباره علامة استسلام. لذلك يميل بعض الأفراد إلى كبت مشاعرهم والاستمرار في العمل والحياة رغم الانهيار الداخلي الذي يعيشونه. وهذا ما يؤدي إلى تفاقم المشكلات النفسية وتحولها إلى ضغوط مزمنة. في المقابل، ساهمت الروابط العائلية والاجتماعية في تخفيف جزء من هذه الضغوط، إذ يلجأ اللبنانيون غالباً إلى العائلة والأصدقاء كمساحة للدعم النفسي والتضامن العاطفي والمساندة المعنوية. لذلك بقي المجتمع قادراً على الحفاظ على حدّ أدنى من التماسك رغم قسوة الظروف.
انعكاسات الأزمات على العلاقات الاجتماعية
ومما لا شك فيه أن الأزمات المتكررة أثّرت أيضاً على طبيعة العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع. فمن جهة، عزّزت المحن روح التضامن بين الناس، وظهرت مبادرات إنسانية عديدة تعبّر عن التكاتف الاجتماعي، خصوصاً في أوقات الكوارث، كما ازدادت أهمية العائلة باعتبارها شبكة حماية اقتصادية ونفسية.
لكن من جهة أخرى، أدّت الضغوط الاقتصادية إلى توترات داخل الأسر والمجتمع. فارتفاع معدلات البطالة والفقر والهجرة، جميعها خلقت شعوراً بالإحباط والقلق، وأدّت أحياناً إلى زيادة الصراعات الأسرية والاجتماعية. كما أجبرت الظروف الصعبة الكثير من الشباب إلى الهجرة، ما ساهم في تفكك بعض الروابط الأسرية وخلق فجوة بين الأجيال.
إضافة إلى ذلك، ساهمت الأزمات في انتشار الفردية لدى بعض الفئات، حيث أصبح كل فرد منشغلاً بتأمين احتياجاته الأساسية، ما أضعف أحياناً روح الثقة بالمجتمع والمؤسسات.
في خلاصة الأمر، لقد صنعت التحديات المتكرّرة في لبنان مجتمعاً يمتلك قدرة استثنائية على الصمود والتكيّف، إلا أنّ هذا الصمود لم يكن بلا ثمن. فبينما عزّز روح التضامن الاجتماعي، ترك أيضاً آثاراً نفسية عميقة وأعاد تشكيل العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى دعم الصحة النفسية، تعزيز الاستقرار الاجتماعي وبناء مؤسسات قادرة على حماية الإنسان اللبناني، حتى لا يبقى الصمود مجرد أداة للبقاء، بل يتحوّل إلى طاقة فعلية وقدرة حقيقية على بناء مستقبل أفضل.

