ميرنا صابر – خاصّ الأفضل نيوز
في كل مرّة تندلع فيها حرب في لبنان، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: ماذا يدفع صحافيًا أو مصورًا للوقوف في مكان يهرب منه الجميع؟
في الحرب الأخيرة، لم يكن المشهد سهلًا على أحد، القصف كان أسرع، والخطر أقرب، والميدان أكثر قسوة من أي وقت مضى، ومع ذلك، بقي عشرات المراسلين والمصورين اللبنانيين والعرب في الخطوط الأمامية، يحملون الكاميرات والميكروفونات وسط الدخان، كأنهم يرفضون أن تروي الحرب نفسها من دون شاهد.
ربما هذا ما يميز الصحافة اللبنانية منذ عقود، فهذه المهنة في لبنان لم تُبنَ يومًا على الرفاهية، بل على المواجهة، من الحرب الأهلية، إلى عدوان تموز 2006، وصولًا إلى الحرب الأخيرة، بقي الصحافي اللبناني حاضرًا في قلب الصورة، لا يراقب المشهد من بعيد، بل يعيش تفاصيله بكل ما فيها من خوف وتعب وضغط نفسي وإنساني.
لكن ما جرى أخيرًا كشف شيئًا أعمق من مجرد "تغطية ميدانية"، كشف حجم العلاقة العاطفيّة التي تربط كثيرًا من الصحافيين بالمهنة نفسها، رغم كل الخسائر والانهيارات التي أصابت القطاع الإعلامي في لبنان خلال السنوات الماضية.
في زمن تراجعت فيه الرواتب، وأقفلت مؤسسات إعلامية، وهاجر عدد كبير من الصحافيين، كان يمكن لأي شخص أن يعتقد أن الشغف انتهى، إلا أن الحرب الأخيرة أثبتت العكس تمامًا؛ فالكثير من المراسلين والمصورين عادوا إلى الميدان بدافع يتجاوز الوظيفة أو الشهرة أو حتى الواجب المهني، عادوا لأن قناعتهم الداخلية تفرض عليهم نقل الصورة والحقيقة، وأن صوت الناس تحت النار يجب أن يصل.
وفي مقارنة مع حرب تموز 2006، تبدو الظروف اليوم أكثر تعقيدًا بكثير؛ ففي ذلك الوقت، كانت التغطية تعتمد بشكل أساسي على البث التلفزيوني التقليدي، أما اليوم فالمراسل يعيش ضغطًا مضاعفًا، عليه أن ينقل الحدث مباشرة، ويصور، ويكتب، وينشر على المنصات الرقميّة، ويتعامل مع سرعة الأخبار الهائلة، فيما يتحول أي خطأ أو تأخير إلى مادة للنقاش والضغط خلال دقائق، ورغم ذلك، بقيت الكاميرات تعمل والأصوات تعلو والحقيقة تنقل حتى من تحت الركام والأنقاض.
بقي المصور اللبناني يركض نحو المكان الذي وقع فيه القصف، لا بحثًا عن بطولة، بل لأن هناك غريزة صحفية تشبه الالتزام الأخلاقي تجاه الناس والحقيقة، وربما هذا ما جعل أسماء كثيرة تتحول خلال السنوات الماضية إلى جزء من ذاكرة اللبنانيين، بعدما ارتبطت وجوههم بلحظات الخوف والصمود والانهيار والأمل.
يقول المصور الصحافي محمد سلمان لـ"الأفضل نيوز"، " ثمة صور التقطتها ولحظات عشتها خلال التغطيات الميدانية لا يمكن أن تفارق ذاكرتي؛ فبعضها كان محملاً بمآسٍ هائلة ومشاهد قاسية لا تجد الكلمات سبيلاً لتفسيرها، وأكثر تلك اللحظات خطورة هي الدقائق الأولى التي تلي وقوع "الغارة"، حيث نصل إلى الموقع لنجد حالة من الفوضى العارمة، في تلك اللحظات أتخبط ما بين إنسانيتي، التي تدفعني للركض والمساعدة، وبين الواجب المهني لضرورة توثيق الحدث ونقل حقيقة الإجرام الذي يمارسه العدو، وحجم الدمار والمجازر التي يخلفها."
وأضاف سلمان: "هناك معايير مهنية نلتزم بها كمصورين لبنانيين بحكم معرفتنا الواقع وحقيقة مجتمعنا ودقة المرحلة بنقل الواقع كما هو دون مبالغة أو "بهارات".
وفي هذا السياق، ذكر محمد للـ"أفضل نيوز" أنّ: "الفرق جوهري في التعاطي مع الصورة؛ فمثلاً، قام أحد المصورين الأجانب في منطقة "البيال" بتصوير أطفال يتلقون مساعدات غذائية، وأخرج الصورة وكأننا في "إفريقيا" أو "غزة" تحت وطأة مجاعة، الحقيقة كانت مجرد مساعدات تُوزع للأهالي، لكنه صورها بأسلوب يوحي بالتهافت الشديد من أجل الإثارة، وهو نوع من التشويه للواقع.
اللافت أن كثيرًا من الصحافيين الذين غطوا الحرب الأخيرة عادوا بعدها إلى الميدان مجددًا، رغم كل ما عاشوه. بعضهم فقد زملاء، وآخرون عاشوا لحظات نجاة صعبة، لكنهم ما زالوا حتى اليوم يلاحقون الحدث نفسه بشغف واضح، وكأن علاقتهم بالمهنة أكبر من الخوف نفسه. تمامًا كمحمد الذي شعر أن وجوده في أي حدث أمني هو واجب وطني وضرورة قصوى للتوثيق؛ فكاميرا المصور الصحفي هي الأداة الأصدق لنقل حقيقة ما يحدث على الأرض للعالم أجمع.
ففي دول كثيرة، قد تكون الصحافة وظيفة، أما في لبنان فهي غالبًا حالة شخصية كاملة، المراسل هنا لا ينقل فقط خبرًا عاجلًا، بل يوثق ذاكرة بلد يعيش دائمًا على إيقاع التحولات والانفجارات والحروب. لذلك، يصبح وجوده في الميدان أشبه برسالة غير مكتوبة تقول إن الحقيقة يجب أن تُروى مهما كان الثمن.
الحرب الأخيرة لم تكشف فقط حجم المخاطر التي يواجهها الصحافيون، بل كشفت أيضًا كم أن هذه المهنة ما زالت حيّة داخل أصحابها، رغم كل التعب والإحباط والانهيارات. ولهذا، ربما لا يكفي الحديث عن "تضحيات الصحافيين" فقط، بل يجب الحديث أيضًا عن شغفهم النادر. عن ذلك الإصرار الغريب الذي يجعل شخصًا يحمل كاميرا ويتقدم نحو الخطر بينما الجميع يبحث عن طريق للهرب.
في النهاية، قد تختلف الحروب وتتغير التكنولوجيا وتتبدل أشكال الإعلام، لكن شيئًا واحدًا بقي ثابتًا في لبنان: أن هناك دائمًا صحافيًا يقف وسط الركام… لينقل الخبر.

