د. علي دربج- كاتب وأستاذ جامعي
رغم أنَّ انتخابَ الأمينِ العامِّ المقبلِ للأممِ المتحدة لن يُحسَم قبل خريف عام 2026، على أن يتولّى الفائزُ مهامَّه في الأوّل من كانون الثاني/يناير 2027، خلفًا لأنطونيو غوتيريش، فإنَّ السباقَ بدأ فعليًّا،
وتبعًا لذلك، شرعتِ الدولُ والتكتلاتُ الإقليميةُ بالدفع بمرشحيها وحشدِ التأييد لهم، في واحدةٍ من أكثر المنافسات أهميةً منذ تأسيس المنظمة قبل ثمانية عقود.
لكن مهلًا، فالانتخاباتُ هذه المرّة ليست مجرد اختيارٍ للأمين العام التاسع، بل ترتبط بتحديد الشخصية التي ستقود المنظمة في مرحلةٍ تتشابك فيها الحروب، والتنافس بين القوى الكبرى، وأزمات المناخ، والذكاء الاصطناعي، وتراجع الثقة بالمؤسسات الدولية، ما يجعلها منافسةً بين رؤى مختلفة لمستقبل النظام الدولي.
ومَن هم أبرزُ المُرشَّحين؟
عمليًّا، وحتى كتابة هذه السطور، برز ستةُ مرشحين للتنافس على المنصب، يحمل كلٌّ منهم تصورًا مختلفًا لدور الأمم المتحدة خلال المرحلة المقبلة. ومن هنا، تحظى الدبلوماسيةُ الغويانيةُ كارولين رودريغيز-بيركيت بدعمٍ جماعي من المجموعة الكاريبية (CARICOM)، في مؤشرٍ إلى سعي الدول الصغيرة لتعزيز حضورها في منظومة الحوكمة العالمية.
في المقابل، تستند رئيسةُ تشيلي السابقة، ميشيل باشيليت، إلى خبرةٍ سياسية وأممية واسعة، ما يجعلها من أبرز المرشحين، فضلًا عن أنها قد تصبح أول امرأةٍ تتولى منصب الأمين العام للأمم المتحدة.
وفيما تطرح ريبيكا غرينسبان رؤيةً تربط بين التنمية الاقتصادية والاستقرار الدولي، يعتمد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل ماريانو غروسي، على خبرته في إدارة الملفات النووية والأمنية المعقدة. أمّا ماريا فرناندا إسبينوزا، فتدعو إلى إصلاح المؤسسات الدولية، في حين يعكس الرئيس السنغالي السابق ماكي سال تنامي الحضور الأفريقي في المشهد الدولي.
وكيف يُنتخَبُ الأمينُ العام؟
في الواقع، ومع أنَّ الجمعية العامة تشارك في عملية الاختيار، فإنَّ الحسم يبقى بيد مجلس الأمن، حيث تمتلك الدولُ الخمسُ الدائمةُ العضوية حقَّ النقض (الفيتو)، لذلك، لا تكفي الخبرةُ والكفاءةُ للوصول إلى المنصب، بل يحتاج المرشح إلى تحقيق توازنٍ دقيق بين القبول لدى القوى الكبرى والحفاظ على ثقة بقية الدول الأعضاء، وهي معادلةٌ لطالما حكمت اختيار الأمناء العامين.
ولعلَّ ما يضاعف أهمية هذا الاستحقاق أنَّ الأمم المتحدة نفسها أصبحت أمام امتحانٍ صعب؛ فمع تصاعد الانتقادات لأدائها، وتكرار عجز مجلس الأمن عن حسم العديد من الأزمات الدولية، عاد الحديث بقوة عن ضرورة إصلاح المنظمة وتطوير آليات عملها، بما يعزز قدرتها على مواكبة التحولات الجيوسياسية المتسارعة، واستعادة ثقة المجتمع الدولي.
في المُحصِّلة
قد لا يمتلك الأمينُ العام جيشًا أو أدواتٍ لفرض قراراته، لكنه بامكانه جمع الخصوم، وفتح قنوات الحوار، وصوغ المبادرات في أكثر اللحظات تعقيدًا. لذلك، لا تمثل انتخاباتُ عام 2026 مجرد اختيار خليفةٍ لغوتيريش، إنما اختبار لقدرة الأمم المتحدة على الحفاظ على دورها في عالمٍ يزداد انقسامًا، ولإثبات أنَّ الدبلوماسية والحوار ما زالا الخيارَ الأقلَّ كلفةً والأكثرَ واقعيةً في إدارة الأزمات الدولية.

