ندى أندراوس خاصّ الأفضل نيوز
يفتح إعلان الجيش الإسرائيلي استكمال عمليته في مرتفعات علي الطاهر مرحلة جديدة في المواجهة حول هذه المنطقة، على الرغم من أن المعركة لم تحُسم بصورة نهائية، أو أنه من المبكر الحديث عن سقوط علي الطاهر؛ فمصطلح «السيطرة العملياتية» الذي استخدمه البيان يعبّر عسكرياً عن امتلاك القوات الإسرائيلية حرية الحركة والقدرة على التحكم بالموقع وتعطيل استخدامه، لكنه لا يساوي حكماً احتلالاً دائماً وسيطرة كاملة على كل ممراته وتفرعاته.
وفق الرواية الإسرائيلية، تمكّنت قوات الفرقة السادسة والثلاثين، بعد عملية استمرت أسابيع، من السيطرة على المرتفعات فوق الأرض وتحتها، وتطهير مسارين من الأنفاق التابعة لحزب الله. وقال الجيش الإسرائيلي إن قواته قتلت عدداً من عناصر الحزب، فيما انسحب آخرون من المنطقة، وإن العمل ما يزال مستمراً لتدمير المنشآت قبل إعادة انتشار القوات الإسرائيلية في مواقع دفاعية وفقاً لتقييم الوضع.
بغض النظر عن مسار هذه المعركة، لا يمكن إغفال أهمية مرتفعات علي الطاهر من موقعها المشرف على النبطية وأرنون ويحمر وكفرتبنيت ومحيط قلعة الشقيف ومجرى الليطاني؛ فالسيطرة عليها تمنح قدرة على مراقبة طرق الحركة والاقتراب، وعلى فرض سيطرة نارية على محيط واسع، وبالتالي، فإن بدء تعطيل الأنفاق يمكن أن يحدّ من قدرة الحزب على المناورة والتمركز وإعادة بناء خطوطه الدفاعية، لكنه لا يلغي قدرته العسكرية في المناطق الخلفية أو احتمال انتقال عناصره إلى مواقع بديلة.
أما سياسيًّا، فتتجاوز دلالات الإعلان حدود الميدان؛ فإسرائيل تحاول تثبيت معادلة مفادها أن أي انسحاب أو إعادة انتشار لن تتم قبل تفكيك البنية العسكرية لحزب الله، والتحقق من عدم إعادة بنائها، وبذلك، تصبح نتائج العملية ورقة تفاوضية إضافية قوية في النقاش حول مستقبل الجنوب، ودور الجيش اللبناني، وآليات المراقبة والضمانات الدولية.
كما يطرح تعبير «إعادة الانتشار دفاعياً» أكثر من احتمال: انسحاب القوات الإسرائيلية من داخل المرتفعات إلى نقاط محيطة بعد تدمير المنشآت، أو الاحتفاظ بمواقع تمنحها السيطرة بالنار، أو تحويل المنطقة عملياً إلى حزام أمني يمنع حزب الله من العودة إليها.
هنا تحديداً، تنتقل معركة علي الطاهر من الميدان إلى طاولة التفاوض، فإذا انعقدت جولة جديدة من المفاوضات في روما منتصف أيلول، سيذهب الوفد اللبناني إليها أمام واقع ميداني أكثر تعقيداً: إسرائيل تعلن تفكيك بنية عسكرية استراتيجية لحزب الله، لكنها لم تحسم بعد المعركة وطبيعة انتشارها اللاحق، فيما يصبح السؤال اللبناني الأساسي ما إذا كانت نهاية العملية ستؤدي إلى تسليم المنطقة للجيش اللبناني، أم إلى تثبيت سيطرة إسرائيلية مباشرة أو سيطرة بالنار تحت عنوان منع الحزب من العودة،
في المقابل سيتمسك لبنان بموقفه المطالب بالتزام واضح بالانسحاب ووقف التفجيرات وعمليات التجريف، وفق آلية محددة وجدول زمني ملزم. كما سيرفض أن تُستخدم الأنفاق التي أعلنت إسرائيل اكتشافها مبرراً لإبقاء قواتها في المنطقة إلى أجل غير محدد، أو لفرض منطقة عازلة تتجاوز ما تسمح به الترتيبات الأمنية والقرارات الدولية، لكن، من الواضح أن إسرائيل ستتمسك بشرط التحقق قبل الانسحاب، وأن تطالب بضمانات تمنع حزب الله من إعادة بناء منشآته أو العودة إلى المرتفعات، وقد تسعى إلى ربط أي انسحاب بتوسيع صلاحيات آلية المراقبة، أو بمشاركة دولية أكثر فاعلية في التحقق من خلو المنطقة من السلاح والأنفاق.
أما الموقف اللبناني، فسيحاول الفصل بين مسارين: قبول إجراءات تحقق تحترم السيادة وتنفذها مؤسسات الدولة، ورفض تحويل التحقق إلى غطاء لاحتلال مفتوح أو لحرية عمل عسكري إسرائيلية دائمة داخل الأراضي اللبنانية، وسيكون على الوفد اللبناني إثبات قدرة الجيش على تسلّم المنطقة ومنع أي وجود مسلح خارج سلطته، لأن غياب البديل الرسمي الجاهز سيمنح إسرائيل حجة للاستمرار في مواقعها.
وتكتسب هذه الجولة المحتملة أهمية إضافية على وقع الإفراج عن عدد من الأسرى اللبنانيين لدى إسرائيل، فهذا التطور يمكن أن يُقدَّم بوصفه خطوة لبناء الثقة وإشارة إلى إمكان تحقيق نتائج عبر التفاوض، لكنه قد يتحول أيضاً إلى جزء من مقايضة سياسية أوسع تربط ملف الأسرى بالانسحاب، وانتشار الجيش، وآلية التحقق، ومستقبل المناطق التي شهدت عمليات إسرائيلية.
لبنان، من جهته، سيحرص على اعتبار الإفراج عن الأسرى حقاً إنسانياً وسيادياً، لا ثمناً يُدفع مقابل القبول ببقاء إسرائيل في علي الطاهر أو في أي منطقة أخرى. وقد يدفع نحو استكمال الإفراج عن بقية الأسرى، بالتوازي مع وقف العمليات العسكرية والانسحاب وتسليم المواقع إلى الجيش، ضمن حزمة متكاملة ومتزامنة لا تسمح لإسرائيل بتنفيذ بند وتأجيل البنود الأخرى.
ومن هنا، قد تتحول علي الطاهر في روما، بناء على التطورات الميدانية، إلى اختبار للنموذج الذي سيُعتمد في بقية المناطق. أمر قد يفتح الباب أمام تسويات ميدانية أخرى، أما فشله فقد يكرّس نموذجاً معاكساً، تكون فيه «السيطرة العملياتية» مقدمة لاحتلال طويل أو لمنطقة عازلة مفروضة بقوة النار.

