ميرنا صابر – خاصّ الأفضل نيوز
فتح إنستغرام لدقائق، وقد يخطر لك أن الأزمة الاقتصادية لم تمرّ من لبنان، وأن البلد يعيش في مكان معزول عمّا يجري حوله من أزمات وتوترات أمنيّة وسياسيّة. مطاعم، سفر، سيارات، حقائب باهظة الثمن، حفلات وفنادق ووجهات سياحية.
وبين "ستوري" وأخرى، يبدو أحياناً أن جيلاً كاملاً يعيش حياة بعيدة كل البعد عن الصورة الاقتصادية التي اعتدنا سماعها عن الشباب اللبناني، لكن من أين يأتي كل هذا المال؟ هل أصبح الشباب في لبنان أكثر قدرة على الإنفاق، أم أن ما نراه يومياً لا يمثل سوى جزء صغير من حياتهم؟ السؤال ليس تفصيلاً، خصوصاً أن مواقع التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد وسيلة للترفيه.
بحسب تقرير Digital Lebanon 2026 الصادر عن DataReportal، بلغ عدد هويات مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي النشطين في لبنان نحو 4.58 ملايين في نهاية عام 2025، أي ما يعادل 78.1% من إجمالي عدد السكان. ويوضح التقرير أن الرقم لا يعني بالضرورة وجود 4.58 ملايين شخص مختلف، إذ قد يمتلك المستخدم الواحد أكثر من حساب.
أما إنستغرام، فبلغ جمهوره الإعلاني في لبنان نحو 2.95 مليون مستخدم في نهاية عام 2025، مقارنة بنحو 2.5 مليون في بداية العام نفسه. كما أظهرت بيانات المنصة الإعلانيّة أن نطاق الوصول إلى البالغين من عمر 18 عاماً وما فوق بلغ نحو 71.9%. هذه الأرقام تعطي فكرة عن حجم حضور مواقع التواصل في الحياة اليوميّة، لكنها تفتح في الوقت نفسه باباً لسؤال آخر: ماذا نعرف فعلاً عن حياة الأشخاص الذين نتابعهم؟
الصورة المنشورة من مطعم فاخر لا تخبرنا كم يبلغ راتب صاحبها، وصورة من المطار لا تقول لنا كم شهراً ادّخر صاحبها ثمن الرحلة، أو ما إذا كانت عائلته قد دفعت تكلفتها، وحتى الحقيبة أو الساعة أو السيارة التي تظهر في الصورة لا تكفي وحدها لمعرفة الوضع المادي للشخص. وهنا يصبح من السهل أن نكوّن صورة كاملة انطلاقاً من لحظات متفرقة.
لا يمكن القول إن ما يعرضه الشباب على مواقع التواصل هو "ثراء وهمي"، كما لا يمكن افتراض أن كل من يظهر بمستوى معيشي مرتفع يعيش فوق إمكاناته، لكن كثافة ما نشاهده يومياً جعلت المقارنة أصعب، خصوصاً بالنسبة إلى جيل يقضي جزءاً كبيراً من يومه أمام الشاشة.
وفي دراسة أميركية نشرتها Horowitz Research مطلع عام 2026 حول البالغين من جيل Z فإنّ: " 49% من المشاركين يجدون صعوبة في تأمين احتياجاتهم الأساسية أو يعيشون من راتب إلى آخر".
وأفاد التقرير أنّ: "39% يعملون لساعات إضافيّة أو يعتمدون على أعمال جانبيّة لتحسين أوضاعهم الماليّة، فيما 43% أصبحوا يمضون وقتاً أطول في المنزل بدلاً من الخروج بهدف تخفيف النفقات."
هذه الأرقام لا تعبّر عن الشباب اللبناني، ولا يمكن إسقاطها عليه، لكنها تكشف مفارقة يعيشها الجيل نفسه في أماكن مختلفة من العالم: الضغوط المالية موجودة، حتى عندما تبدو الحياة على مواقع التواصل أكثر رفاهية. أما في لبنان، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، فالدخل لا يأتي دائماً من راتب واحد، كما أن المصاريف ليست متشابهة بين شخص وآخر.
شاب يعيش في منزل عائلته قد لا يتحمل إيجاراً شهرياً، آخر يعمل في وظيفتين، وثالث يحصل على دعم من عائلته أو من أحد أفرادها في الخارج. وهناك من يعمل بشكل حر أو عبر الإنترنت، ومن يفضّل إنفاق جزء كبير من دخله على السفر والخروج مقابل تقليص مصاريف أخرى.
حتى البطاقات الائتمانيّة، التي قد تكون أول تفسير يخطر في البال لهذا الإنفاق، لا تقدم جواباً حاسماً. فبحسب بيانات Global Findex 2025 التابعة للبنك الدولي والخاصة بلبنان، والمستندة إلى بيانات جُمعت عام 2024، تشير إلى أنّ: "27.2% من المشاركين الذين أجابوا عن سؤال امتلاك بطاقة ائتمان إنهم يمتلكون واحدة". لكن امتلاك البطاقة لا يعني بالضرورة وجود ديون، كما أن هذه البيانات لا تكشف حجم الإنفاق عبرها أو الأسباب التي تدفع أصحابها إلى استخدامها. وبالتالي، لا يمكن اعتبارها دليلاً على أن نمط الحياة الظاهر على مواقع التواصل ممول بالدَّين.
ربما المشكلة إذاً ليست في مقدار المال الذي يملكه هذا الجيل، بل في مقدار ما نراه منه. قبل مواقع التواصل، لم نكن نعرف في كل يوم أين تناول عشرات الأشخاص عشاءهم، وماذا اشتروا، وأين سافروا، وفي أي فندق أقاموا. اليوم تصل كل هذه التفاصيل إلى شاشة واحدة خلال دقائق، فتبدو التجارب الفردية وكأنها نمط حياة جماعي. من هنا تبدأ المقارنة، ترى صديقاً في المطار، وآخر في مطعم، وثالثاً يحمل حقيبة جديدة، ورابعاً يقضي عطلة خارج لبنان. قد يكون كل واحد منهم فعل ذلك مرة واحدة خلال أشهر، لكنك تشاهد الصور الأربع في الليلة نفسها. النتيجة: شعور بأن "الجميع" يسافر ويخرج ويشتري والواقع قد يكون مختلفاً تماماً.
في لبنان تحديداً، حيث تتداخل الرواتب المحليّة مع التحويلات من الخارج، والعمل التقليدي مع العمل الحر، والدعم العائلي مع الدخل الفردي، لا يمكن معرفة الوضع المادي لشخص من خلال الصور التي يختار نشرها. قد يكون مرتاحاً مادياً بالفعل، وقد يكون ادّخر طويلاً من أجل رحلة واحدة، وقد يعيش مع عائلته ويخصص جزءاً كبيراً من دخله للترفيه. وقد تكون الرحلة مرتبطة بعمله.
مواقع التواصل عمومًا وإنستغرام خصوصًا لن يخبرنا، والشخص سيعرض اللحظة التي تستحق النشر، لا بالضرورة الأيام التي سبقتها أو تلك التي ستأتي بعدها. لذلك، ربما لا تكمن المفارقة في أن شباب لبنان يملكون أموالاً أكثر مما نعتقد، بل في أننا أصبحنا نعرف عن إنفاق بعضنا البعض أكثر بكثير مما نعرف عن مداخيلنا الحقيقية.

