راما الجراح_خاص الأفضل نيوز
في بلد أنهكت أزماته الاقتصادية والاجتماعية الأسر اللبنانية، تأتي أرقام اليونيسف الجديدة لتكشف جانباً أكثر قسوة من تداعيات الأزمة على الأطفال. فتقرير المنظمة بعنوان "كابوس مستمر" يحذر من أن أربعاً من كل خمس أسر في لبنان تواجه صعوبة في تحمّل كلفة احتياجاتها الأساسية، فيما أفادت 22% من الأسر التي شملها الاستطلاع بأن أطفالها ذهبوا إلى الفراش جائعين، في مؤشر يعكس حجم الضغوط التي باتت تطال الغذاء والصحة والتعليم وحياة الأطفال اليومية.
ولا تتوقف المؤشرات عند الجوع، إذ تكشف بيانات اليونيسف أن 10% فقط من الأسر التي لديها أطفال دون الخامسة قادرة على توفير نظام غذائي متنوع بما يكفي، فيما أفادت 31% من الأسر بأن أطفالها لم يحصلوا على الرعاية الصحية التي كانوا يحتاجون إليها، والسبب الرئيسي هو عدم القدرة على تحمّل كلفتها. كذلك، قالت 14% من الأسر إن لديها طفلاً واحداً على الأقل منخرطاً في سوق العمل، وهي نسبة تزيد على الضعف مقارنة بما سُجّل في كانون الثاني 2025. ويحذر ممثل اليونيسف في لبنان ماركولويجي كورسي من أن الأطفال والشباب باتوا يتحملون أعباء لا ينبغي لأي طفل أن يضطر إلى تحمّلها، محذراً من آثار قد ترافقهم لسنوات طويلة.
وفي قراءة طبية لهذه الأرقام، يوضح اختصاصي أمراض الجهاز الهضمي والتغذية لدى الأطفال وأستاذ طب الأطفال في LAU، د. آلان السيد، أن حرمان الطفل من التغذية الكافية والمتنوعة في سنواته الأولى لا يمر من دون آثار. فعدم حصول الطفل على حاجاته الغذائية يمكن أن يؤدي إلى نقص الحديد وفقر الدم ونقص عدد من الفيتامينات والعناصر الأساسية، ما ينعكس على صحته العامة وقدرته على النمو بشكل سليم. والأخطر أن مرحلة الطفولة هي مرحلة أساسية في بناء الجسم والدماغ، وبالتالي فإن استمرار سوء التغذية قد يؤثر في النمو الجسدي وفي تطور الدماغ والقدرات التي يفترض أن يكتسبها الطفل مع تقدمه في العمر.
ويشير السيد عبر "الأفضل نيوز" إلى أن التغذية السليمة لا تعني فقط حصول الطفل على كمية كافية من الطعام، بل على غذاء متنوع ومتوازن يؤمّن مختلف احتياجاته. فالطفل يحتاج إلى مصادر متعددة من الغذاء، بينها اللحوم والدجاج والأسماك والخضار والحليب وغيرها، بما يضمن حصوله على البروتينات والحديد والفيتامينات والعناصر الضرورية للنمو. ومن هنا، فإن مشكلة الجوع لا تُقاس فقط بعدد الوجبات التي يتناولها الطفل، بل أيضاً بجودة هذه الوجبات وقدرتها على تأمين احتياجاته الغذائية الأساسية، خصوصاً في السنوات التي يكون فيها الجسم والدماغ في مرحلة نمو متسارعة.
وعلى الأرض، لا تنفصل هذه المشكلة عن البيئة المدرسية، حيث تظهر الفوارق بين الأطفال بوضوح. فبحسب أحد الموظفين مع الأطفال في إحدى الجمعيات الدولية المعنية بهم، لا يزال برنامج التغذية المدرسية School Feeding مطبقاً في عدد من المدارس، إلا أن التجربة الميدانية تكشف حجم الحاجة إلى استمراره وتوسيعه. ويشير إلى تجربة نفذها برنامج الأغذية العالمي في عدد من المدارس، حيث حصل الطلاب على ألواح غذائية تعتمد على التمر، تحتوي على عناصر غذائية بينها الفيتامينات والحديد وبقيمة حرارية مرتفعة، واستمر توزيعها نحو أسبوع قبل أن يتوقف البرنامج بعد العثور على قطعة نايلون داخل أحد الأطعمة، حفاظاً على سلامة الطلاب. ويؤكد أن الطلاب كانوا متحمسين للحصول على الوجبة اليومية، وأن توقفها انعكس بوضوح على تفاعلهم.
ويؤكد الموظف في الجمعية أن الفوارق بين الطلاب لا تظهر فقط في نوعية الطعام، بل حتى في القدرة على إحضار وجبة إلى المدرسة من الأساس؛ فهناك طلاب قادرون على تأمين الطعام معهم، فيما يصل آخرون من دون وجبة. وهذه الفوارق، بحسب المشاهدات اليومية للعاملين مع الأطفال، تنعكس على التركيز والتفاعل داخل الصف وعلى قدرة الطالب على متابعة الدرس ومستواه التعليمي. ويرى أن التغذية المدرسية يجب ألا تُعامل كخدمة كمالية أو مساعدة ظرفية، بل كجزء أساسي من حق الطفل، خصوصاً أن الاحتياجات الغذائية تأتي في مقدمة الاحتياجات الأساسية للإنسان، وفق هرم ماسلو للاحتياجات.

