أكرم حمدان - خاصّ الأفضل نيوز
استوقفني منذ أيام خبر مهم وملفت، فبينما كانت الأنظار والإهتمامات تتجه نحو نتائج الانتخابات الأميركية النصفية والهزيمة التي تلقاها الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحزبه الجمهوري، أعلنت صحيفة "التايمز"البريطانية أنها أدرجت الزعيم الراحل جمال عبد الناصر ضمن قائمتها لأبرز الشخصيات المؤثرة في تغيير مجرى التاريخ المعاصر مطلع تشرين الثاني/نوفمبر 2026 الحالي.
واستندت الصحيفة في هذا الاختيار إلى معايير شملت حجم التوثيق الأكاديمي والرقم القياسي للمؤلفات عنه عالمياً، ودوره في قيادة حركات التحرر الوطني، واستمرار حضوره الفكري والتاريخي رغم الهجمات ومحاولات التشويش على مسيرته النضالية.
ومن بين الشخصيات التي تم اختيارها، إلى جانب عبد الناصر، الزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا والأديب العالمي تولستوي، على خلفية دور وإسهامات هذه الشخصيات في تغيير العالم وصياغة موارد التاريخ المعاصر.
وجاء في التقييم الذي قدمته الصحيفة أن هناك 24 ألف كتاب عن الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر، يتم توزيعها من جهات مختلفة في العالم، وهذا رقم قياسي عن زعيم عربي ومسلم وأفريقي وعالمي.
إن هذا الاختيار ربما يطرح السؤال : لماذا لا يزال عبد الناصر حاضراً ومؤثراً حتى الآن؟
وقد يكون من بديهيات الإجابة أنه ليس غريباً أو مستغرباً أن يتم اختيار هذا العملاق كأحد أبرز الشخصيات التي ساهمت في تغيير العالم، لأن ذلك يعكس حجم التأثير الجيوسياسي والتاريخي العميق الذي تركه، ليس فقط على مستوى مصر والعالم العربي، بل على خارطة التوازنات الدولية خلال القرن العشرين.
كما أن هذا الاختيار يحمل دلالات ومعانيَ تاريخية وسياسية رئيسية على أكثر من مستوى، فهو قاد حركة التحرر العالمي ومناهضة الاستعمار، وأصبح الرمز والأب الروحي لحركات التحرر الوطني في الشرق الأوسط وإفريقيا ودول العالم الثالث. كما دعم مادياً وسياسياً لعدد من الثورات مثل الثورة الجزائرية وثورات في إفريقيا واليمن، وساهم بشكل مباشر في تفكيك الإمبراطوريات الاستعمارية التقليدية (البريطانية والفرنسية) ونيل تلك الشعوب استقلالها.
كذلك فإن عبد الناصر كسر احتكار القوى العظمى وشكل قراره بتأميم شركة قناة السويس عام 1956 نقطة تحول فارقة في التاريخ الحديث، كما صمد في وجه العدوان الثلاثي، ما غيّر موازين القوى الدولية، وأنهى عملياً دور بريطانيا وفرنسا كقوى عظمى أولى في العالم، وأثبت قدرة دول العالم الثالث على استعادة مواردها السيادية.
وساهم في صياغة النظام الدولي عبر تأسيس حركة دول عدم الانحياز عام 1955 في مؤتمر باندونغ، إلى جانب قادة مثل تيتو ونهرو، ما أوجد كتلة دولية ثالثة رفضت التبعية للاستقطاب الثنائي بين المعسكرين الغربي ،بقيادة أمريكا، والشرقي ،بقيادة الاتحاد السوفيتي، ما أعطى الدول النامية صوتاً وثقلاً في السياسة الدولية.
ولا ننسى أن عبد الناصر كان وما يزال المهندس الحقيقي لمفهوم القومية العربية وصياغة الهوية العربية في العصر الحديث، ما أدى إلى تغييرات جذرية في الأنظمة السياسية بالمنطقة، كما دفع نحو تجارب وحدوية فريدة مثل الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا.
كذلك فإن ناصر أحدث من خلال سياساته تحولات اجتماعية واقتصادية على الصعيد الداخلي المصري، ولا سيما في قوانين الإصلاح الزراعي ومجانية التعليم وتحويل مصر إلى جمهورية، ما أحدث انقلاباً في البنية الطبقية في مصر وأوجد نموذجاً يحتذى به في دول نامية عدة سعت لإعادة توزيع الثروة وتمكين الطبقات العاملة والفقيرة.
باختصار، اختيار جمال عبد الناصر ضمن القادة الذين غيروا العالم يعني أن إرثه تجاوز حدود وطنه، فقد أعاد تشكيل الخارطة السياسية الدولية، وساهم في صعود "العالم الثالث" كلاعب فاعل على الساحة العالمية، رغم أنه أكبر زعيم سياسي في التاريخ الحديث تعرض عهده وشخصه وانجازاته للتطاول، فهو ما يزال يثير غضب وقلق الدوائر الغربية والصهيونية، وبعض الذين ما زالوا يخشون حضوره وأفكاره، وتأثر الأجيال الجديدة بها.

