وفاء ناصر- خاص الأفضل نيوز
تُثبتُ الحياةُ يوماً بعد يومٍ أنّ القوةَ ركيزةً أساسيةً في الحياةِ السياسيةِ، محليّا ودوليّا. وسَعْيُ الدّول لامتلاكِ عناصرِ القوةِ أمرٌ طبيعيّ مُتعارف عليه لتثبيت مركزها على المسرحِ الدّولي أو لحجز مركز فيه. وهذا ما تجلّى بوضوحٍ على مرّ الأزمان، وعاصرناه في مرحلةِ النّظام العالمي الجديد حينَ استأثرت الولايات المتّحدة الاميركيّة بالهيمنةِ الأحادية حتى بروز دول/ اتحادات منافسة أقل تأثيراً منها ساهمت في تضاؤل هذه السّيطرة إلى حد ما، معبِّدةً الطريقَ أمامَ مرحلةٍ جديدةٍ تتّسم بتعدّد الأقطاب.
غير أنّ الولايات المتّحدة الاميركيّة تمكّنت بحنكة سياستها الخارجية من الإلتفاف على هذا الواقع وتعزيزِ حاجةِ الدّول الأخرى لها اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً معتمدةً على العقوبات تارةً وسياسات الإفقارِ تارة أخرى إلى جانب إشعال حروب تدميرية بالوكالة... للإمساكِ بمفاصل الحياة فيها بطريقة ملتوية خدمة لمصالحها.
وليس أدَلّ على هذا الزيفِ إلا المساعداتِ العسكريّة المستهدفة العديدِ والعتادِ على حدٍ سواء.
فالتّجربة اللبنانية، كسِواها، كشفت حقيقة هذه المساعدات وفضائحها لا سيما المتضمّنة معدات متنوعة لا قدرةَ للبلدِ الحاصل عليها لاستعمالها دون إذن مانحها، هذا إن لم تكن مجرد خردة تمّ التّخلص منها بإرسالها إلى البلدان الفقيرة والنامية، أو معدات وآليات تفوق الخسارة المتأتّية عن استعمالها فائدتها المرجوة، أو برامج تربط الأجهزة المحليّة والخارجيّة برابطٍ تكنولوجي معرِفي يُخشى أن تتسلّل النزعة التّجسسيّة إليه،... عدا أن بعض المساعدات تكون بهدف تأجيج حروب داخليّة وإقليميّة.
لبنان، المرتكَز استقراره على التّوافقية السياسيّة والطائفيّة المتحكمة بمفاصل الحياة فيه، سقط سريعا في شباك الإغراءات الخارجيّة العربيّة والغربية حد ارتهان القرار، بحجّة استتباب الأمن والأمان وتحقيق النمو الاقتصادي لرفع مستوى التّنمية ظاهريا ولتثبيت دعامة الطوائف جوهريا.
على المستوى الاقتصادي، يشهدُ لبنانُ أزمةً حادةً منذ العام 2019 _ صنّفها البنك الدّولي من بين الأسوأ عالمياً منذ عام 1850_، ترافقت مع كارثةِ انفجار بيروت وانتشار فيروس كوفيد 19، فانخفضت قيمة العملة اللّبنانية مقابل الدولار الأميركي واتسعت رقعة الفقر مهدّدة صمود الأجهزة الأمنيّة التي اضطرّت بدورها إلى البحث عن المساعدات المادية والعينية لتلاشي طاقة العسكريين على التّحمل سيما في ظلّ غرق اللبنانيين يوما بعد يوم في هوّة الفقر ولِتقاعس السّاسة عن القيام بمسؤولياتهم.
فالوضعُ المُزري والمأساوي للمؤسّسات العسكريّة وعجزها عن تأمين أبسط حقوق عناصرها كالطّبابة والمساعدات المدرسيّة، جعلها برأي العميد المتقاعد في قوى الامن الداخلي منذر الأيوبي مهدَّدة بتسريح عناصرها رغم تحفظها عن قبول الاستقالات وكبح موجة التّسريح. ما دفع بالقيادات الأمنيّة والعسكريّة للحصول على مساعدات مالية وعينية لتخفيف الأعباء عن عناصرها ولو بالحد الأدنى. وقد أتت على حساب معنويات العسكريين دون أن تخفف من حالة التّذمر لدى معظمهم.
وبالفعل، قدّمت دول عديدة مساعدات شتى للأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة، تنوّعت بين العينيّة والماليّة بعدما كانت في المراحل السابقة تتركز حول الدّعم الأمنيّ عن طريق تقديم التّدريب والعتاد، حرصا من المجتمع الدّولي على الحفاظ على هذه المؤسّسات كي لا ينهار لبنان " على الجبهة الامنيّة"، ومنها قطر والولايات المتّحدة الاميركيّة التي جاء على لسان سفيرتها تقديم مساعدات نقديّة بقيمة 72 مليون دولار لعناصر الجيش وقوى الأمن الداخلي من خلال برنامج تابع للأمم المتّحدة.
ان المساعدات العينيّة، سواء أكانت عبارة عن مواد غذائية لعديد هذه القطعات أو أدوية تصل للمديريات، فهي دون شك إنسانية تهدف إلى صمود العناصر لارتباط صمود مؤسساتهم بهم وبالتالي إرساء الأمان للمواطنين وتحقيق الإستقرار الأمني.
بينما المساعدات المالية التي وصلت وستصل للأفراد تثير إلى حد ما الرّيبة، وخطورتها تكمُن في تمادي الجهة المانحة وحصر علاقتها بالأفراد مباشرة دون الرجوع إلى القيادة بعد الاطلاع على ملفاتهم.
وفي هذا السّياق، يرى العميد المتقاعد الايوبي انه "كان يفترض في دولة المؤسّسات أن تأتي المساعدات عبر الحكومة والوزارات المعنيّة تلافيًا لما يحدث، إلا أن عدم اكتراث المسؤولين السياسيين وتركهم المعالجة للقيادات العسكرية دفع هذه الأخيرة إلى محاولة سدّ الثّغرات ومعالجة المشاكل الإجتماعيّة والطبيّة والإقتصاديّة المتفاقمة". محذّراً، في الوقت عينه، من أن عدم تدارك الوضع المادي للعسكريين على اختلاف رتبهم سيؤدي إلى مضاعفات كبيرة.
أمام هذا الواقع المرير، يتسلّل إلى الواجهة سؤال يتعلق بمصير الوضع الأمني لبلد تعتاش أجهزته الأمنيّة على المساعدات.
وهنا يلفت العميد الأيوبي إلى أنّ الوضع الأمني في لبنان "ممسوك لا متماسك". وهو يخشى في ظل الاستحقاقات الدّاهمة بدءًا من ضرورة انتخاب رئيس للجمهورية وصولا إلى إقرار الإصلاحات المالية والإقتصادية، من تفلّت الشارع وتسيّد الفوضى لأن "عامل الوقت قاتل". وما نشهده من ازدياد نسبة الجريمة، العصيان المدني، مواجهة قوى حفظ الامن والنظام، قطع الطرقات، فرض الخوات، الاعتداء على المؤسّسات المصرفية والحكومية... يقارب وضعية الانهيار الشّامل. والأمر يزداد خطورة في حال تقاعس عناصر القوى الأمنية أو تخلوا عن تلبية واجباتهم نسبة لتردي أوضاعهم المعيشية، ويتساءل عن مدى قدرتهم على التّحمل والصّمود خاصة أن "الجوع كافر".
رغم ما سبق، يشدّد العميد الأيوبي على وعي وإخلاص العناصر الأمنيّة والعسكرية، على ولائهم للقسم في الذّود عن الوطن وتوطيد الأمن ومكافحة الجريمة، معتبرا أن الرّهان عليهم أمر مؤكّد. وينفي الإشاعات التي تطال العناصر لجهة حجز جوازات السّفر وتجريدهم من أسلحتهم عند الخروج بالاجازات خوفاً من موجة فرار، مُرجعًا الأمر إلى التّعليمات العسكرية والإدارية التي تفرض الإحتفاظ بالجوازات في الشّعبة المعنيّة في الحالة الأولى، ولأن العناصر الإدارية لا تكلف بمهام أمنية في الحالة الثانية. لكنه يُعلّق على خطورة ما سجل من إقدام عسكريين على بيع أسلحتهم الفردية وادعاء فقدانها.
مما لا شك فيه أن للمساعدات وجه خفي لا يخرج للعلن بل تُلتمس نتائجه مع قفزات الزمن، فتصبح مشروطة بقرارات سيادية.
وما بُني على خدعة غير بريئة لا يمكن أن يصمد بوجه الأزمات والتّيارات، وعاجلا أم آجلا ستتكشف النوايا الخبيثة وغايات السّيطرة.
وفيما خص المساعدات الموجهة للأجهزة الامنية يرتفع مستوى الخشية إذا تعمقت العلاقة بين العناصر والجهة المانحة ودخلت الأنانية حيّز الإستغلال المقنع، فيذوب مفهوم التّضحية من أجل الوطن أمام المغريات وتصبح التّضحية بالوطن سيدة الموقف، لأن العوز والفقر يهددان الضمير ويطيحان بالأخلاق. وتبرز خطورتها أيضا اذا ما عمِد أحدهم الى التشبيك غير القانوني مع أجهزة الدّول المقدِّمة للدورات التدريبية والتي غالبا ما تحصل خارج مساحة الوطن، وما قد يخرج عنه.
إضافة الى ذلك، فمن الصعوبة بمكان تقبّل فكرة رهن حماية المواطنين والسّهر على أمنهم بارتباط الاجهزة المولجة حمايتهم بمساعدات خارجية.

