العنود المهيري-النهار العربي
نراقب التفاف الغرب حول أوكرانيا، فلا يسعنا سوى أن نُصدم بالمعايير المزدوجة التي يتعامل بها مع لاجئينا مقارنة بلاجئيه، والجدية التي يستهجن بها قصف كييف مقابل تثاؤبه الضجر من حروبنا وصراعاتنا.
ولكن على الجانب الآخر، فإن المساندة الغربية أظهرت -وكم أكره الاعتراف بذلك!- الهوة غير القابلة للردم بين نظرتنا ونظرتهم إلى الحيوانات. أعني الحيوانات التي اضطر أغلب الأوكرانيين إلى تركها خلفهم حين فرّوا بحياتهم.
إنها أحد الأضرار الجانبية للحرب التي لا نفكّر فيها، بل أجزم بأننا نجهلها. لا أذكر أنني تساءلت شخصياً، أو وجدت من ينوب عني متسائلاً، ماذا لو أن بعيراً وطأ أحد ألغام الحوثيين، أو كيف تتعايش "البسينات" التي لا تختلف عن "بسيناتي" التسع مع القصف وهي التي تخشى دوي الرعد، أو كيف تؤثر ظروف الحصار وانقطاع الطرق في توفّر الأعلاف والأدوية.
ولست بصدد المزايدة على أحد. أدرك أن مراكب اللجوء ما كانت لتتسع -حرفياً ومجازياً- لحمل قطعان الحيوانات بينما الناس يهربون ممن يذبحهم كالنعاج. ثم أن الناجين باتوا بعد النزوح أو اللجوء مطالبين برعاية عوائل كبيرة، وفي ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة، ولا أتصوّر أن حشر فم إضافي بين الجوعى -ولو كان فم هامستر- أمر مقبول.
أتفهم أن كل هذه التحديات تجعل مجرد تخيّل الانشغال بوضع الحيوانات الأليفة وحيوانات المزارع تبدو كرفاهيات شديدة الوقاحة.
لا أزايد على أحد إذاً، أو أتوقع منه لعب أدوار بطولية تفوق طاقته. ولكن يدهشني أنه -وعلى الرغم من تتابع الحروب والنزاعات في عالمنا العربي- لم تمر عليّ مطلقاً أي إشارة، أو همسة، أو إقرار حتى، بالضرر الذي تتكبده الحيوانات جرّاءها، وما تكلّفها إياه من إصابات وأمراض ونبذ، ناهيك بعثوري على الحملات المنظمة لنجدتها، أو تأهيلها للتبني.
وربما كان الاستثناء الوحيد الذي منّت عليّ به الصدفة هو السوري علاء عبدالجليل، مؤسس محمية "إرنستو" للقطط في إدلب، والثلة القليلة من المتطوعين معه.
أما في خلال أسبوعين من الحرب على أوكرانيا، فقد هب الغرب لإنقاذ حيواناتها كما لو كانت بدورها من ذوات الشعر الأشقر والعيون الزرق. فمنظمة خيرية رومانية صارت تعمل على إخراج الحيوانات من أوكرانيا، وثانية بولندية تُعالجها وترعاها بعد وصولها، وثالثة إيرلندية شمالية تشحن لها آلاف أطنان الطعام.
بل ثمة من يخاطرون بحيواتهم بالمكوث في الداخل الأوكراني لإدارة ملاجئ الحيوانات بينما يفتح لهم الجيران حدودهم وأذرعهم.
اطمئنوا: لن أطالب بأن تزاحم الأرانب والببغاوات احتياجات الناس المصيرية للأمان والمأوى والقوت.
ولكن ألا يمكن أن يُفسح بعض المجال فحسب للراغبين في مساعدتها وتبنيها، مهما اعتبرنا ذلك -بثقافتنا المشرقية- هدراً للموارد، وتخلياً عن إخوتنا البشر؟ لا تجلسوا الحيوانات على طاولة أولوياتكم المزدحمة أصلاً، ولكن ألا يمكن أن تُدنى منها، حتى ولو أُلصقت أسفلها كالعلكة الممضوغة؟

