هادي أبوشعيا - خاصّ الأفضل نيوز
توجد طرق عدة للنظر إلى العالم ما بين رؤية العالم وكأنه مجموعة من الأشياء المرتبطة ورؤية العالم وكأنه مجموعة من العمليات تتحرك معا على الدوام وهو ما تحدث عنه الأديب والشاعر والكاتب المسرحي وليام شكسبير في مسرحيته يوليوس قيصر "المدُّ والجزر في شؤون الرجال".
ففي عام 2016، ظهر العديد من الأنظمة الشعبوية والاستبدادية في أوروبا. ففي تقلب كبير، صوّتت المملكة المتحدة لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي أو ما عُرف بـ "البريكست" فيما جرى انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة.
وشرقًا، عمد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى إحكام قبضته على اقتصاد أوروبا والنخب بها فيما كان يمضي الزعيم الصيني شي جين بينغ على نحو هادئ قدمًا في إحكام سيطرة حزبه الشيوعي على مناحي الحياة اليومية في الصين.
في مؤشر واضح على أنَّ المستقبل يميل لصالح الأنظمة السلطوية بشكل جلي.
لم تصدق التوقعات بأن تصبح دول "بريكس" كيانًا يضمُّ الاقتصاديات الأسرع نموًا، لكن بدلاً من ذلك، باتت المجموعة بمثابة تحالف دبلوماسي ومموّل تزداد أهميته للتنمية في دول عديدة، فهل تقدم بذلك بديلاً للمنظومة الغربية؟
عندما تأسست مجموعة "بريكس" توقع كثيرون أنها ستكون رمزًا للاقتصادات الأسرع نموًا في العالم، لكن الدول المنضوية حاليًا تحت لواء المجموعة وهي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، تقدم نفسها الآن أيضا كبديل للكيانات المالية والسياسية الدولية القائمة.إذ تحاول البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا تقديم نفسها اليوم كممثل لدول الجنوب وعلى أنها النموذج البديل عن "مجموعة السبع". وتعد الأخيرة منتدى يضمُّ قادة أكثر الاقتصاديات تقدمًا في العالم، حيث تأسس عام 1975 ويضمُّ ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وإيطاليا واليابان وكندا والولايات المتحدة، فيما يشارك الاتحاد الأوروبي بصفته "ضيفًا" لكنه يتمتع بحقوق وبمسؤوليات الأعضاء كافة، باستثناء رئاسة الاجتماعات.
أما مجموعة "بريكس" التي كانت تحمل اسم "بريك" في بدايتها، فقد صاغ مصطلحها جيم أونيل، كبير الاقتصاديين في بنك "غولدمان ساكس" عام 2001. وقد جاء الاسم اختصارا للأحرف الأبجدية الأولى باللغة اللاتينية لكلٍّ من البرازيل وروسيا والهند والصين. وفي ذاك الوقت، كانت هذه الدول تحقق معدلات نمو اقتصادية عالية ما دفع لمزيد من التفاؤل حيال مستقبل المجموعة.
لكن، في المقابل، قالت الأصوات المنتقدة إنَّ الدول الأربع ذات تنوع كبير ما يحول دون اصطفافها تحت لواء واحد، وهو الأمر الذي دفع بعضهم إلى القول بأنَّ "بريك" ليست سوى حيلة تسويقية من قبل بنك "غولدمان ساكس". بيد أن ما بدا للبعض بمثابة "حيلة تسويقية" لجذب الاستثمارات، تحول الآن إلى ما يشبه منصة دولية للتعاون الحكومي على غرار مجموعة السبع. وكان الاجتماع الأول لدول بريكس عام 2009 في قمة استضافتها مدينة يكاترينبورغ الروسية فيما انضمت جنوب أفريقيا إلى المجموعة عام 2010 وأصبح اسمها "بريكس".
الجدير بالذكر أنه في عام 2014، دشّنت مجموعة "بريكس" بنك التنمية الجديد برأس مال ابتدائي قدره 50 مليار دولار كبديل للبنك وصندوق النقد الدوليَيْن. ولم يتوقف الأمر على ذلك، بل قامت المجموعة بإنشاء صندوق احتياطي للطوارئ لدعم الدول الأعضاء التي تكافح من أجل سداد الديون بهدف تجنب ضغوط السيولة.
لم تجذب هذه المشاريع دول مجموعة بريكس فقط، بل أيضا العديد من الاقتصادات النامية والناشئة الأخرى التي عانت من تجارب مؤلمة تحت وطأة برامج التقشف القاسية من قبل صندوق النقد الدولي. وقد لعب ذلك دورًا في تزايد اهتمام المزيد من الدول في الانضمام إلى المجموعة.
ومع مرور الأعوام، اكتتبت مصر والإمارات وأوروغواي وبنغلادش عام 2021 في أسهم بنك التنمية الذي أسسته مجموعة دول "بريكس" باستثمارات بلغت 10 مليارات دولار.
وفي آذار/مارس الماضي، قالت وزيرة خارجية جنوب إفريقيا ناليدي باندور إنَّ الاهتمام العالمي بمجموعة "بريكس" أصبح "هائلاً، مشيرة إلى أنَّ هناك 12 رسالة من دول أبدت رغبتها بالتعاون مع المجموعة. وقالت بأنَّ "السعودية ضمن هذه الدول بالإضافة إلى الإمارات ومصر والجزائر والأرجنتين والمكسيك ونيجيريا.
يذكر أنَّ الدول الأعضاء في مجموعة "بريكس" لا تتشارك بتحقيق معدلات نمو اقتصادية عالية، وهي الفكرة التي كانت ركيزة تأسيس المجموعة، فمن بين دولها لم تحقق سوى الصين هذه المعدلات.
وفي الوقت الذي حققت فيه الصين نموًّا في الناتج المحلي الإجمالي من 6 تريليونات دولار عام 2010 إلى ما يقرب من 18 تريليون دولار عام 2021، فإنَّ الدول الأخرى وهي البرازيل وجنوب إفريقيا وروسيا قد عانت من ركود. ورغم أن نمو الناتج المحلي الإجمالي للهند قد ارتفع من 1.7 تريليون دولار إلى 3.1 تريليونات دولار، إلا أنه لا يُقارن بما حققه الاقتصاد الصيني.
منذ بداية الحرب الروسية في أوكرانيا، نأت دول مجموعة بريكس بنفسها عن الغرب، حيث لم تشارك الهند أو البرازيل أو جنوب أفريقيا أو الصين في تطبيق العقوبات التي فرضتها الدول الغربية ضدَّ روسيا، ولم يتوقف الأمر على ذلك، بل ارتفعت مستويات التجارة إلى معدلات غير مسبوقة بين روسيا ودول "البريكس" خصوصًا، وعلى رأسها الهند والصين.
من الناحية الدبلوماسية، فإنَّ الحرب في أوكرانيا رسمت خطًا فاصلاً وصارخًا بين روسيا المدعومة من الشرق من جهة، وبين الغرب من جهة أخرى. وعلى إثر ذلك، يشعر بعض صناع القرار السياسي في أوروبا والولايات المتحدة بالقلق من أن تصبح مجموعة "بريكس" بمثابة كيان اقتصادي للقوى الصاعدة التي تسعى للتأثير على النمو والتنمية في العالم. كما يشعرون بالقلق من أن تتحول إلى كيان سياسي تحدده نزعاتها القومية الاستبدادية.
في هذا المجال، يبدو أن بكين تستخدم المجموعة لتعزيز طموحاتها السياسية على الساحة العالمية، في ظلِّ مساعيها الرامية للتوسط من أجل إنهاء الحرب في أوكرانيا من جهة وإجراء تدريبات عسكرية مشتركة مع روسيا في جنوب إفريقيا من جهة ثانية.
أمام ذلك كلّه، من المؤكد أنَّ الغرب يراقب هذا التغيير ويسعى إلى مواجهته، خصوصًا أنه في خلال قمة مجموعة السبع التي عقدت في ألمانيا العام الماضي، جرى طرح دعوة جنوب إفريقيا والهند من أجل إنهاء الاعتقاد بأنَّ مجموعة السبع ضدَّ مجموعة بريكس. ما يبرز المخاوف والقلاقل المتعاظمة من التداعيات الاقتصادية والسياسية والجيو-سياسية وحتى الجيو-استراتيجية التي ستكرّسها المجموعة الشرقية، والتي سوف تحدد إلى حدّ بعيد شكل العالم في السنوات القليلة القادمة وخروجه من عنق الأحادية إلى الثنائية القطبية.

