وفاء ناصر - خاص الأفضل نيوز
على وقعِ رغبةِ بعض القوى السياسية، يدور محرّك الاستحقاق البلدي في ظل واقعٍ مأزوم أرخت حالةُ الفراغ الرّئاسي والأزمة الاقتصادية المتفلّتة من الحلول بظلالها عليه.
وإن كان الاستحقاقان البلدي والإختياري مِفصلا أساسيا في الحياة المجتمعية وحاجة مُلِحّة لتحقيق أبسط متطلبات المواطنين وضمان استمرارية الأمور الروتينية التنموية والإدارية إضافة إلى كون الأخيرة تشكّل مفاتيح إنجاز معاملات الأحوال الشخصية، يراهن البعض، ممّن يصدح في العلن، على كون إجراء الانتخابات معبرًا نحو إحداث تغيير في خارطة التوازنات السياسية، غير آبهٍ بالأكلاف التي إن وجدت لن تكون من خزينة دولة منهارة أرقامها مجرد أصفار، بل ستؤمّن من جهات خارجية. ما يُفسر إصرارهم بالرّهان على تغيير ستاتيكو ما يظهر سياسيًا بهدف استثماره إقليميا.
أما البعض الآخر، ممّن يكتم رغبته حفاظًا على ماء وجهه، يخشى أن تعرّيه النتائج وتُفقده ثِقله الوازن الذي ما زال يتغنّى به كمّاً وتأثيراً.
غير أن عرّاب الانتخابات، أي وزير الدّاخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال بسام المولوي، أوصدَ أبوابَه أمام تحميله مسؤولية تعطيل الانتخابات. فشمّر عن إصراره لإجراء الاستحقاق، محدّدًا موعدًا لكل محافظة على أن تبدأ في السابع من أيار، معتبرًا أن واجبه الدستوري يفرض عليه دعوة الهيئات الناخبة بقرار وزاري منه، لا بمرسوم من الحكومة التي تحتاجها الانتخابات النيابية، دون أن يلتفت إذا تأمنت الاعتمادات المالية لها.
واللافت في لعبة الأدوار، أنه سجّل هدفا في مرمى القوى السّياسية التي قد تتحضّر لسيناريو التّمديد في المجلس النيابي عبر اقتراحٍ يقدّمه بعض النواب يقضي بالتمديد للبلديات ويضعه في قالب قانوني وشرعي. ما يجنب المجالس الاختيارية الوقوع في دوٍامة عدم قانونية وشرعية تواقيع المخاتير في حال عدم إجراء الانتخابات، ويسمح للبلديات القيام بمهامها بما ملكت أيمانها.
لكن المعضلة الأساسية في حال كرّت سبحة التعطيل تكمن في انتهاء وكالة الناخبين التفويضية وعدم جواز تولّي عبء القيام بمهام البلديات المنتهية ولاياتها من قِبل القائمقام أو المحافظ. علمًا أن الكثير من البلديات تحتاج لإمكانيات وموارد كثيرة للقيام بأدوارها وتأمين أبسط متطلبات المواطنين فيها ومعالجة المشاكل البنيوية والتنموية لتحقيق ولو القليل من الإنجازات بعد سنة على التمديد، في ظل انتهاء ولاياتها. وبالتالي انقضاء ولاية المجالس البلدية قبل التمديد لها بقانون، من شأنه أن يُنهي صلاحياتها وشرعيتها.
وكما عند كل استحقاق أو تفصيل، لا يمكن فصل لبنان عن الإقليم والمؤثرات الخارجية التي تقتنص الظروف للتغلغل داخليا مع كل نسمة أو عاصفة.
ففي حديث خاص للأفضل نيوز، لمّح الكاتب والمحلل السياسي غسان جواد أن خارطة تقاطع المصالح ليست بمنأى عن الضغوطات الخارجية، وحتمية إجراء الانتخابات من قِبل المجتمع الدولي يخفي ضغطا أوروبيا وأميركيا ينسحب في النتائج المتوخاة منها إلى الولوج عبر أصدقائهم إلى هذه الحكومات المصغرة أي البلديات والانخراط أكثر فأكثر في بنية النظام اللبناني بكل تفاصيله.
لذلك يعوّل على دور البلديات وضرورة دعمها من قبل الدولة في أداء مهامها التنموية والبنيوية وفي التّعامل مع الواقع القائم حاليا، لأنها الواجهة التي تعكس هذه العلاقة التكاملية. خاصة أن بعض المشاريع أو المهام يتوقف أو يركن جانبًا لأسباب متعلقة بنقص التمويل، رغم سعي بعض البلديات إلى فرض الضرائب في إطار سلطتها من أجل تحصيل بعض الواردات لزوم الاستمرارية بعدما "زمطت" من فخ التعطيل الذي أوقع سواها.
وعلى هامش الوجود السوري يرى جواد أن موضوع اللجوء غير مرتبط بهذه العملية أوعدمها، إلا أنه متداخل معها في سياق تواجد بعض اللّاجئين السوريين ضمن سلطة بعضها. وفي حين تمكّنت بلديات معينة من التعامل مع هذا الواقع المفروض، تستخدم أخرى السلطة في إطار غير واقعي وغير محبذ ينحو نحو الزجرية والقساوة.
الانتخابات البلدية، كما كل استحقاق، تطرح صيغة تساؤلية حول ما يُنتظر مِن أحداث معلقة تَنتظر ساعة الصفر.
فإذا لم تتفق الأطراف السياسية على رئيس للجمهورية ولم تثمر المساعي الخارجية في تقريب وجهات النظر، لا بد من التنبه الى ما سبق وطُرح عن مشروعية التدخل في شؤون الدولة من قبل منظومة المجتمع الدولي ووضعها تحت الفصل السابع، إذا ما مُنيت بفشل سياسي يُضاف إلى الفشلين الاقتصادي والمالي.
وهنا يصبح التساؤل جائزا، هل يكون عدم إجراء الانتخابات ذريعة لتحقيق هذه الغاية؟ أو ربما طلب طرف سياسي معين مساعدة المجتمع الدولي لإجراء هذه الانتخابات هو من سيدفع باتجاه تحقيقها؟.

