كريستال النوّار – خاصّ الأفضل نيوز
منذ العام 2008 حتّى 2020، تراجع ترتيب لبنان في مؤشّر الحكومات الإلكترونيّة من المرتبة 74 إلى المرتبة 127، كما تراجع بشكلٍ كبير في مؤشّر المُشاركة الإلكترونيّة في المدّة الزمنيّة ذاتها من المرتبة 28 إلى 148. فأين لبنان اليوم من التحوّل الرقميّ؟
هل تعرفون أنّ في بلدنا "استراتيجيّة التحوّل الرقميّ" مضى عليها أكثر من 10 سنوات ولم نصل بعد إلى تطبيقها بشكلٍ شامل ومُرضٍ؟
يُشير الخبير في التكنولوجيا والتحوّل الرّقمي بول سمعان إلى أنّ لبنان أقرّ استراتيجيّة التحوّل الرّقمي في أيّار 2022، وبدأ العمل عليها في وزارة التنمية الإداريّة بالتعاون مع الـUNDP ووُضعت الاستراتيجيّة صفحة الوزارة أونلاين.
ويُضيف سمعان، في حديثٍ لـ"الأفضل نيوز": "الاستراتيجيّة أُقرّت ولكن يجب أن تخضع للتّحديث. وهي تتضمّن الوضع الحاليَّ والبيانات والشفافيّة والأمن السيبراني وحملات التوعية والمهارات الرقميّة التي يجب أن تكون موجودة والخدمات الحكوميّة والخدمات الرقميّة التي ستُقدّم من خلال الوزارات والإدارات العامّة، وتتحدّث في مضمونها عن الشراكة مع القطاع الخاصّ والقطاع التعليمي خصوصاً، وعن التعديلات على القوانين التي يجب أن تخضع بدورها للتّحديث، مثل القانون المُتعلّق بالتوقيع الإلكترونيّ، وهناك قوانين عدّة يجب أن يُعمَل عليها أيضاً وأن تخضع للتّعديل، من أجل ضمان الانتقال السّليم إلى التحوّل الرقميّ".
هل تُطبّق حاليًّا؟
يُلفت سمعان إلى أنّ "هناك بعض الوزارات والإدارات التي تحصل على التّمويل، تتحرّك على صعيدٍ فرديّ من خلال تصميم تطبيقات إلكترونيّة، مثل بعض البلديّات التي تعمل على تسيير مُعاملات المواطنين بشكلٍ أسرع إلكترونيًّا... ولكن التّطبيق على نطاقٍ وطنيّ وشامل ما زال بعيد المنال.. "كتخطيط ورؤية، كلّ شيءٍ جاهز، ولكن "بعدنا مأخّرين" في ما خصّ التّطبيق".
العقبات والتّحديات
صعوباتٌ عدّة تحول دون الإنتقال إلى التحوّل الرقميّ في لبنان، لعلّ أبرزها التّمويل. إذ يشرح سمعان: "هناك مشاريع وأفكار متعدّدة ومتنوّعة ولكنّ التمويل ضروريّ وبالغ الأهميّة لتشكيل فرق عمل وتأمين الإمكانات المطلوبة. كما أنّ الموظّفين في الإدارات العامّة والوزارات ما زالت رواتبهم بالليرة اللبنانيّة التي تنهار أكثر وأكثر، بالإضافة إلى الإضرابات المُستمرّة.. كلّها أمور تؤخر التّطبيق".
ويُضيف: "العقليّة يجب أن تتغيّر أيضاً. شريحة كبيرة من اللبنانيين عاجزة عن التخلّي عن الورق، وهذا يتطلّب زيادة الثّقة بالعمل الرقميّ والتكنولوجيا من أجل الانتقال السّليم إلى مرحلة التطوّر الرقميّ"، لافتاً إلى أنّ هذا الأمر يُعمَل عليه من خلال تنظيم ورش عمل ومؤتمرات لنشر التوعية. ويُتابع: "وزارة التنمية الإداريّة تقوم بعملٍ جيّد في هذا الخصوص من خلال حملات التوعية وورش العمل خصوصاً مع نقابة المعلوماتيّة، في ظلّ الوضع الصّعب والأزمة الماليّة والاقتصاديّة، كما أنّها تُحاول مُساعدة وزاراتٍ أخرى باللحم الحيّ، لأنّ الصّعوبة الكبرى تكمن في غياب التمويل".
بالإضافة إلى العقبات المذكورة، ثمّة تحدٍّ حقيقيّ يتمثّل في تأمين الكهرباء والإنترنت في لبنان. لا عمل رقميًّا من دون انترنت وكهرباء ! هذا ما يُشدّد عليه سمعان قائلاً: "يقوم المواطن بكلّ جهدٍ مُمكن من أجل تأمين التيار الكهربائي من خلال المولّدات الخاصّة والطّاقة الشمسيّة وطرق مُبتكرة، ولكن مشكلة المازوت إمكان استمرار أوجيرو بتأمين الإنترنت في ظلّ هذا الوضع، قد لا يكون بمقدور أيّ مواطن حلّها. على الأقلّ يجب تأمين الإنترنت 24/7".
تأثير السّياسة السّلبي
الفساد أيضاً لا يُمكن التّغاضي عنه، فهو عقبة أساسيّة تحول دون المُباشرة بتطبيق التحوّل الرّقمي في الوزارات والإدارات الرسميّة. ويقول سمعان في هذا الإطار:
"نعرف أنّ كلّ موظّف في المؤسّسات العامّة تابع لحزب أو سياسة مُعيّنة لا يُمكنه التصرّف قبل الحصول على موافقتها".
ويُضيف شارحاً: "الأحزاب والسياسيّون عاجزون عن الاتّفاق على اسمٍ لرئاسة الجمهوريّة، فكيف الحال إذاً لناحية الاتفاق على مُشاركة الداتا والمعلومات؟! ومثالٌ على ذلك رفض وزراءٍ مُتعاقبين على وزاراتٍ مُعيّنة استكمال مشاريع بدأت قبل تسلّمهم الحقيبة، وأحياناً اللجوء إلى العرقلة أو بدء مشاريع جديدة قد لا تُبصر النّور عمليًّا على الأرض، وهنا ندور في حلقة مفرغة".
الحدّ من الفساد الإداري
يُمكن أن يُشكّل التحوّل الرقميّ عصا سحريّة للحدّ من الفساد الإداري المُستشري في لبنان. ويشرح سمعان العمليّة بالقول: "إذا أراد شخصٌ أن يقوم بمُعاملة إداريّة كإخراج قيد أو جواز سفر بالطّريقة التقليديّة، عليه أن يحضر إلى الإدارة المعنيّة بعد تكبّد عناء تأمين الأوراق والمُستندات وتأمين البنزين للتنقّل وسط زحمة سير لا تُطاق، وهكذا يُعطّل عمله ويضيع يومه وقد لا ينجح في الحصول على مطلبه وأحياناً تستمرّ العمليّة أسابيع وعدّة أشهر أيضاً. ولكن عندما يقوم بالعمليّة أونلاين، يُسرّع المُعاملة من دون ضرورة دفع أيّ رشوة".
إذاً، يكون الحدّ من الفساد من خلال إلغاء مبدأ الرشاوى لتسريع المُعاملات، تقليل التوظيف العشوائي والمحسوبيّات في الإدارات العامّة، التخفيف من الأعباء على المواطن، وتأمين العدالة بين الناس خصوصاً لناحية إلغاء الوساطة لتمرير شخص دون آخر.
يُشار إلى أنّ المؤسّسات والشّركات الخاصّة بدأت بمعظمها تطبيق التحوّل الرّقمي لأنّها تملك حريّة التحرّك، إلا أنّها تبقى بحاجة للدّولة ومؤسساتها لتأمين الأوراق والإجراءات القانونيّة العامّة.
تطوّرٌ اقتصاديّ
مع التّطبيق الشّفاف للتحوّل الرقميّ، يُصبح لبنان دولة مُتطوّرة خصوصاً من النّاحية الإقتصاديّة.
ويلفت سمعان، في هذا الإطار، إلى أنّ بعض الموظّفين في الشّركات الخاصّة يعملون أونلاين ويُدخلون الفريش دولار إلى البلد، وهذا أمر إيجابيّ جدًّا. تخيّلوا الدّولارات التي يُمكن إدخالها إلى لبنان إذا انتقلت شركاته إلى العمل الكترونيًّا.
ويُتابع: "قطاع التكنولوجيا من أهمّ القطاعات، ولدينا العديد من الشباب المتعلّمين يتمتّعون بكفاءة عالية، وإذا تمّ التّركيز على هذا القطاع وعلى العمل أونلاين يتطوّر الإقتصاد وتؤمَّن الدّولارات بكمّياتٍ كبيرة إذا توفّرت الإمكانات المطلوبة".

