هادي بو شعيا - خاصّ الأفضل نيوز
لا شكّ في أنّ الرّئيس التركي رجب طيب أردوغان قرأ نتائج الجولة الأولى الرئاسيّة جيّداً، والأهمّ أنّه قرأ الخارطة السّياسية لبلاده، والتي تعكس مزاج الناخبين بشكلٍ دقيقٍ من خلال النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات البرلمانية.
غير أنّ ما يفوق نتائج جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسيّة التركية التي انتهت في الأمس هو التكتيك الذي لجأ إليه أردوغان، لضمان الفوز بهذه الجولة، لا سيما أنّ تقديرات المراقبين لم تكن تتوقّع فوزاً كاسحاً، لأن الجولة الأولى دلّلت بما لا يدع مجالاً للشّك أنّ الانقسام السّياسيّ في تركيا، يتعدّى شخص الرئيس التركي وأداءه، إلى شكل النّظام السّياسي الذي يعدّ محور هذا الانقسام.
عندما شعرَ أردوغان بتعرّض بقائه في السّلطة لخطر، خصوصًا عندما ذهب لجولة الإعادة، لم يدع بابًا إلّا وطرقه خلال حملته الانتخابية ليجتاز أصعب اختبار سياسيّ له حتّى الآن ويحمي إرثه من معارضة غير مسبوقة.
وكما هو واضح للقاصي والدّاني أنّ فوز أردوغان بهذه الانتخابات لم يستند على سجلّ من الحكم الجيّد بل على أساس واقع تفرضه سيطرة القوّات الموالية له على ما يزيد عن 90 في المئة من وسائل الإعلام التي منحت تغطيةً واسعة لحملة أردوغان الانتخابيّة، بينما لم يُولِ الإعلام الحكومي اهتمامًا يُذكر بمنافسه الرئيسي كمال كليجدار أوغلو.
كما اعتمد أردوغان خلال حملته الانتخابية استراتيجية "الأمل والخوف" التي سبق له أن انتهجها عندما قاد حزب العدالة والتنمية، لأول مرة، إلى النصر قبل عقدين من الزمن. حينذاك كان قد وعد بنهضة اقتصادية وإنقاذ تركيا من السياسيين المتنافسين الذي جلبوا الفقر والمجاعة والجوع على حدّ وصفه.
أما اليوم، ورغم أن أردوغان حارب من أجل استمرار حكمه بينما تغرق البلاد في أزمة تكلفة معيشيّة عميقة والتي يتّهمه فيها كثيرون أنها من صنعه، إلّا أنّه تمكّن من خلال، ما يصفه أعداؤه بالخطاب الشّعبوي، إطلاق الخطابات ضدّ خصمه، واتهامه بتسريب الفضائح ضد خصومه، وآخرها كان شريط قال أردوغان إن كمال كليجدار جاء بشريط إلى منصبه الحالي، إثر صعوده لرئاسة حزب الشعب الجمهوري بعد انتشار شريط فاضح لرئيسه السابق دنيز بايقال ما أجبره على الاستقالة من منصبه.
وتركّزت تغطية وسائل إعلام تركية على هجمات من علمانيّين واعتداءات في الشوارع على نساء محجّبات أو على من يرتدين ملابس وأزياء ذات طابع دينيّ لتنجح بذلك مساعي أردوغان برفع مخاوف الإسلاميين من العلمانيّين لضمان جميع أصواتهم حتّى ممّن قد يختلفون معه ضمن التّيّارات الإسلاميّة.
لم تتوقّف تكتيكات أردوغان عند هذه الحدود بل ذهب في خطاباته إلى ربط مصير الأمة التركية بمصيره، وتخصيص العديد من الهبات الحكومية بما في ذلك رفع أجور القطاع العام قبل أيام فقط من التّصويت.
وفي وقت توقّع كثيرون أنّ الظّروف التي أوصلت أردوغان هي الظّروف ذاتها التي ستُطيح به اليوم بعد مرور عقدين على دخوله السلطة، استطاع الرئيس التركي استخدام حقائق التّضخّم المرتفع والاضطراب الاقتصادي المستشريَيْن في البلاد عبر اتهام المعارضة للاستفادة من أيّ كارثة، خصوصًا الزّلزال المدمّر الذي ضرب تركيا في السادس من شهر شباط/فبراير الماضي ليحرف بذلك الأنظار عن الانتقادات التي طالت حكومته متّهمةً إياها بالتّقاعس أمام نكبة الزّلزال، فضلاً عن إغراق البلاد بفوضى وإشكالات اقتصادية جراء سياسات اقتصاديّة أفقرت الأتراك وبينها الإبقاء على أسعار الفائدة منخفضة رغم نسب التّضخّم المُرتفعة.
كما ملأ أردوغان وسائل الإعلام باحتفالات تروي إنجازات صناعية ومشاريع كبرى على غرار إطلاق أول سيارة كهربائية تركية وتدشين أول سفينة هجومية برمائية، إضافة إلى مروحيات هجومية وصواريخ باليستية. ومع تركيز المعارضة على غلاء الأسعار صوّر أردوغان حملة خصومه بأنها تواجه مشاريعه العملاقة بالبكاء على غلاء سعر البصل!
وفي سبيل تبرير وعوده الاقتصادية وبينها توفير الغاز الطبيعي في المنازل سرّع أردوغان في مسار تسليم أول شحنة من الغاز الطبيعي لمحطة بحرية من احتياطي مكتشف في البحر الأسود، وافتتح أول محطة تعمل بالطاقة النووية في تركيا خلال حفل شارك فيه، عبر الانترنت، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
ولم يغفل أردوغان في حربه على تحالف المعارضة الرئيسي من شنّ اتهامات بأن التحالف يتلقّى دعمًا من حزب العمال الكردستاني PKK المحظور في تركيا، مستغلاًّ بذلك تصريحات كليجدار أوغلو المدافعة عن حقوق الأكراد واتهامه أردوغان بمعاملة ملايين الأكراد كإرهابيين.
ولم يتوقف قطار أردوغان عند هذه المحطة بل مضى في عقد ما يشبه اتفاق مع المرشح المهزوم سنان أوغان لينالَ أصوات ناخبيه عبر التعهّد للاجئين السوريين لكن على طريقة أردوغان التي يصفها بالإنسانية والإسلامية وليس على طريقة المعارضة التي تقوم، وفق تصريحات مسؤوليها، على الترحيل القسري. ومن أجل استعادة شعبيته بين الناخبين المحافظين، ركّز أردوغان على الإدلاء بتصريحات مناهضة للمثلية الجنسية والتعهّد بمحاربتها.
وفي الشق الأمني، صوّر الإعلام المحسوب على أردوغان غيابه عن المشهد بأنه بداية الانجرار للفوضى لأنّ أحدًا، بحسب ما تمّ ترويجه لن يتوقّع ردّ فعل أنصاره في حال خسارته الانتخابات رغم أن التصريحات الرسمية لأردوغان كانت تؤكّد قبوله النّتيجة أيًا كانت.
في المُحصّلة، باتت النّتيجة واضحة بأنّ رياح أردوغان سارت كما تشتهيه سفنه وأن وجه تركيا لن يتغيّر كثيرًا كما كانت تروّج إليه المعارضة، بل سيبقى "إردوغانيًا" حتّى إشعار آخر.

