طارق ترشيشي - خاصّ الأفضل نيوز
منذ إقرار وثيقة الوفاق الوطني المعروفة بـ"اتفاق الطائف" عام 1989، لم ينجح لبنان في إنتاج قانون انتخابي يعكس روحية هذا الاتفاق أو يترجم وعوده الإصلاحية. فعلى رغم من أنّ "الطائف" أنهى الحرب الأهلية ووضع أسس الشراكة الوطنية، إلا أنّ القوانين الانتخابية التي صيغت في ضوئه حوّلته من مشروع دولة إلى مجرّد آلية لإدارة التوازنات الطائفية.
لقد نصّ "اتفاق الطائف" بوضوح على إلغاء الطائفية السياسية تدريجاً، وعلى اعتماد التمثيل العادل، وإنشاء هيئة وطنية لإلغاء الطائفية، وإحداث مجلس شيوخ تتمثل فيه الطوائف وتنحصر صلاحياته بالقضايا المصيرية، وذلك عند انتخاب مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي. لكن ما طُبّق فعلياً من هذه البنود اقتصر على المناصفة العددية بين المسلمين والمسيحيين، فيما تم تعطيل كل ما يتصل بالإصلاح السياسي الحقيقي.
ومنذ انتخابات 1992 التي كانت الأولى بعد إقرار اتفاق الطائف وحتى اليوم، تم اعتماد سلسلة قوانين انتخابية صُمِّمت وفق موازين القوى السياسية لا وفق مبادئ ثابتة. وتغيّرت الدوائر الانتخابية من قانون إلى آخر، وكُرّس القيد الطائفي للناخب والمرشح، وبقيت المقاعد النيابية موزّعة سلفاً على الطوائف. وهكذا، تحوّل الاستحقاق الانتخابي في كل موسم من مواسمه إلى منافسة داخل كل طائفة، لا بين مشاريع وطنية مختلفة.
حتى قانون 2017 النافذ حالياً، الذي قُدّم على أنه قانون نسبي إصلاحي، لم يخرج عن هذا السياق. فعلى رغم من اعتماده النظام الانتخابي النسبي، أبقى على الصوت التفضيلي الطائفي والمناطقي، وعلى دوائر مفصّلة سياسياً، ما سمح بإعادة إنتاج الطبقة السياسية نفسها تحت غطاء تقني جديد.
وفي هذا السياق، يقول سياسيون معنيون، أن الخلل في قوانين الانتخابات النيابية لم يكن يوماً مسألة تقنية بحتة. فالمشكلة الأساسية أنّ هذه القوانين استُخدمت كأداة لتكريس الطائفية السياسية، لا كوسيلة للانتقال نحو دولة المواطنة، كما نصّ "اتفاق الطائف". فالطائفية لم تُعتمد على أساس أنها مرحلة انتقالية كما يقضي الاتفاق، بل اعتمدت كنظام دائم تُدار عبره السلطة. لكن القانون الانتخابي المنسجم فعلاً مع اتفاق الطائف هو ذاك الذي يعيد الاعتبار لجوهر الاتفاق، لا لشعاراته. قانون ينطلق من مبدأ أنّ المواطن هو وحدة التمثيل، لا الطائفة، وأنّ مجلس النواب يجب أن يكون مساحة تنافس بين برامج سياسية لا بين هويات دينية.
مثل هذا القانون يجب أن يقوم على مجموعة ركائز أساسية:
ـ أولاً، إلغاء التوزيع الطائفي المسبق للمقاعد النيابية، ورفع القيد الطائفي عن الترشيح والاقتراع، بالتوازي مع إنشاء مجلس شيوخ تتمثل فيه الطوائف، كما نصّ الطائف صراحة.
ـ ثانياً، اعتماد نظام نسبي كامل بلا صوت تفضيلي طائفي، يتيح تمثيل القوى السياسية وفق حجمها الفعلي، ويكسر الاحتكار السياسي.
ـ ثالثاً، اعتماد دوائر انتخابية واسعة ومحايدة، تشمل دائرة وطنية وأخرى إقليمية كبرى، بما يحدّ من العصبيات المحلية ويمنع تفصيل الدوائر على قياس السلطة.
ـ رابعاً، تعزيز التنافس البرامجي عبر فرض شفافية التمويل الانتخابي، وضمان المساواة في الحملات الإعلامية الانتخابية، وتشجيع الأحزاب العابرة للطوائف.
المطلوب اليوم، حسب المعنيين، ليس قانوناً انتخابياً جديداً فحسب، بل تغييراً في الفلسفة التي تحكم النظام السياسي. فلبنان لا يعاني من فائض طائفية فقط، بل من فائض قوانين تُدار بها الطائفية بدل تفكيكها. وأي قانون انتخاب لا يضع هدف إلغاء الطائفية السياسية في صلبه، يبقى قانوناً خارج اتفاق الطائف، مهما حمل من عناوين إصلاحية.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تريد السلطة تطبيق اتفاق الطائف والدستور الذي انبثق منه كمدخل لبناء الدولة، أم الاستمرار في استخدامه كغطاء لإدامة نظام لم يعد قادراً على إنتاج الاستقرار ولا التمثيل؟

alafdal-news
