يحيى الإمام - خاص الأفضل نيوز.
لعل من أنبل مقاصد الإسلام العظيم تلك العدالة الاجتماعية التي تجلت بنظام الزكاة بشكل عام وزكاة الفطر في رمضان بشكل خاص ، حين لا يشعر الإنسان المقتدر بسمو نفسه وطهر سريرته ورضوان ربه إلا إذا أعطى ، ولا يأخذ الفقير المحتاج بذلّة أو ضعف أو امتعاض لأنه يدرك أن من يعطي إنما يعطي تقرباً إلى الله وطمعاً بقبوله ورضوانه ، وأنّ من واجبه أن يساعده من خلال أخذه للصدقة ، وما أجمل أن يظهر القوي ضعفه في العطاء لأنه محتاج إلى رضوان ربه، ويظهر الضعيف قوته في الإعانة على التقوى والمعروف من خلال أخذه.
وقد شرعت زكاة الفطر في السنة نفسها التي فرض الله فيها صوم رمضان، أي في السنة الثانية للهجرة، فما الحكمة منها؟ وما قيمتها؟ وعلى من تجب ؟ ومتى يتم إخراجها ؟
شرِعت زكاة الفطر لعدة أسباب وحكم منها ومن أهمها : جبرانُ نقصِ الصَّومِ من كل ما عابه من إثم وقعت عليه العين أو سمعته الأذن أو تناوله اللسان، عن قصدٍ أو عن غير قصدٍ، فقد بيَّنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنها (طُهرةٌ للصائمِ من اللَّغوِ والرّفث ) ، وقال بعض أهل العلم: إن زكاة الفطر كسجدة السهو بالنسبة للصلاة، فهي تجبر نقصان الصوم، كما يجبر سجود السهو نقصان الصلاة.
ومنها إغناء الفقراء عن السؤال ففي الحديث الشريف أنها: (طعمة للمساكين)، وإغناء الفقراء من المطالب التي دلت عليها الشريعة ومقاصدها، فضلاً عما تؤدي إليه هذه الصدقة من التكافل بين أبناء المجتمع، والتراحم بين طبقاته.
وزكاة الفطر تجب على كل مسلم ، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، عاقل أو مجنون لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين).
ويشترط لوجوبها أمران:
١- الإسلام : فلا تقبل من الكافر لقوله تعالى: (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله). ٢- القدرة عليها: بأن يكون عنده يوم العيد وليلته قدر زائد عن قوته وقوت عياله ومن تلزمه نفقتهم وحوائجهم الأصلية من طعام وشراب ومسكن وملبس.
وتجب على الوالد زكاة الفطر عن ولده الصغير إذا لم يكن له مال، وأما إن كان له مال، فتجب الزكاة في مال الصغير، ولا تجب في مال الأب ، فالواجب على الأب إخراجها عمن تلزمه نفقته، كالزوجة والوالدَين والأولاد الذين هم في كنفه وتحت وصايته ونفقته، لحديث ابن عمر رضوان الله عليهما مرفوعاً : (أدوا الفطرة عمَّن تمونون) ، و لا تجب زكاة الفطر على الجنين في بطن أمه ولا يلزم إخراجها عنه إلا إذا وُلد قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان. ومع ذلك، يُستحب تطوّعاً ويُسن إخراجها عنه اقتداءً ببعض الصحابة كعثمان بن عفان رضي الله عنه، لما فيها من بركة.
.
متى يجب إخراجها ؟
تجب زكاة الفطر بغروب شمس ليلة عيد الفطر ( أي عند غروب الشمس في اليوم الذي يسبق عيد الفطر) ، فمن كان من أهل الوجوب حينئذ وجبت عليه وإلا فلا، فإذا مات قبل الغروب ولو بدقائق لم تجب عليه، وإن مات بعده ولو بدقائق، وجب إخراج زكاته من ماله وتركته، ومن أسلم بعد الغروب فلا فطرة عليه، ولو ولد لرجل بعد الغروب، لم تجب فطرته، لكن يسن إخراجها عنه، بخلاف ما لو ولد له قبل الغروب، فإنه يجب إخراجها عنه وجوباً.
وأما وقت إخراجها فالأفضل أن تخرج صباح العيد قبل الصلاة؛ كما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة)؛ ولأن المقصود منها إغناء الفقراء في هذا اليوم عن السؤال، من أجل أن يشاركوا الموسرين في الفرح والسرور..
ويجوز تقديمها قبل يوم العيد بيوم أو يومين، ولا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد لغير عذر، فإن أخرها لغير عذر لم تقبل منه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات)، كما يجيز بعض العلماء إخراجها رفقاً و ترحّماً من أول يوم في شهر رمضان ، ولكن الأصل ليس كذلك.
أما عن الجنس الواجب إخراجه فمن غالب قوت البلد؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير)، وكان الشعير يوم ذاك من طعامهم، كما قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: (كنا نخرج يوم الفطر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم صاعًا من طعام، وكان طعامنا الشعير، والزبيب، والأقط، والتمر) رواه البخاري.
والقدر الواجب صاع من أي من هذه الأصناف، أو غيرها من الطعام أو ما يوازي قيمته بالنقود. وأجاز بعض العلماء إخراج قيمة هذه الأصناف، والأمر فيه سعة بحسب حاجة الفقير، وقد حددت دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية مقدار زكاة الفطر لعام 2026م (1447هـ) بـقيمة 450,000 ليرة لبنانية كحد أدنى عن كل فرد، ويجوز إخراجها نقدًا أو طعامًا (2.4 كيلوغرام من القمح أو الأرز) قبل صلاة عيد الفطر.
وتدفع صدقة الفطر للفقراء والمحتاجين دون سائر مصارف الزكاة ،ويجوز دفع زكاة الفطر لفقير واحد، أو عدة فقراء، والأولى دفعها إلى الأقرباء الفقراء، الذين لا تجب نفقتهم على المزكي.
وخلاصة القول :
زكاة الفطر فرضها النبي ﷺ طهرة للصائم من اللغو والرفث (الكلام البذيء أو المعاصي) خلال رمضان، وطعمة للمساكين إغناءً لهم عن السؤال يوم العيد. هي واجبة على كل مسلم يملك قوت يومه.
والحكمة منها: تطهير النفس من التقصير والصوم من الخلل، و شكر الله على تمام الصيام، وإدخال الفرحة على الفقراء في يوم العيد وجوباً أو قبل ذلك في رمضان جوازاً.
حكمها: فرض عين على كل مسلم (كبير، صغير، ذكر، أنثى، حر، عبد) يملك ما يفيض عن قوت يومه وليلته.
وقت إخراجها: الأفضل قبل صلاة العيد، ويجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين، بينما تعتبر بعد الصلاة صدقة عادية.
مقدارها: صاع واحد من قوت البلد (قمح، أرز، تمر، إلخ) أو ما يعادله من القيمة النقودية التي تحددها الجهات الرسمية، وتُقدر حالياً بنحو 2.5 كيلوغرام.
من يستحقها: الفقراء والمساكين من المسلمين.
يُشرع إخراجها عن النفس وعن كل من يلزمه نفقته.

