طارق ترشيشي_خاصّ الأفضل نيوز
لم يكن القرار المفاجئ بطرد السفير الإيراني من بيروت لم يكن حدثاً عابراً في سجل العلاقات اللبنانية ـ الإيرانية، بل شكّل لحظة سياسية حسّاسة، كأنها نقطة ارتكاز انكشفت عندها خطوط التماس الحقيقية بين السلطة و"الثنائي الشيعي". تزامن ذلك مع تصعيد عسكري إسرائيلي ضد الحزب، ما وضع البلاد أمام مشهد متداخل تتقاطع فيه السيادة بالدور الإقليمي، والقرار الداخلي بالضغوط الخارجية.
لم يكن القرار بطرد السفير الإيراني مجرد عنوان سياسي، بل بدا كأنه إعلان عن مرحلة جديدة. السلطة التي لطالما سارت على حبال دقيقة بين التوازنات المحلية والإملاءات الدولية، اختارت هذه المرة خطوة تحمل طابعاً سيادياً واضحاً، لكنها في الوقت نفسه محفوفة بالمخاطر. فطرد ممثل ديبلوماسي لدولة بحجم إيران، الحليف الأبرز لـحزب الله والثنائي الشيعي عموماً، لا يمكن فصله عن سياق أوسع من إعادة التموضع الإقليمي.
بالنسبة الى الثنائي الشيعي، لم يكن القرار إدارياً بحتاً، بل بدا أقرب إلى رسالة سياسية، إن لم يكن تحدياً مباشراً. إذ يرى هذا الفريق أن أي استهداف للعلاقة مع طهران يطاول بشكل غير مباشر بنيته الاستراتيجية، التي تقوم على شبكة دعم إقليمية معقدة. ومع اشتداد الضربات الإسرائيلية ضد مواقع مرتبطة بـحزب الله، يتعزز الشعور بأن هناك محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك، ليس فقط عسكرياً، بل سياسياً داخل لبنان نفسه.
غير أن السلطة اللبنانية، من جهتها، قد تجد نفسها مدفوعة إلى هذا الخيار تحت وطأة ضغوط دولية متزايدة. فالمجتمع الدولي، الذي يراقب بقلق تنامي نفوذ الحزب، قد يرى في هذه الخطوة مؤشرًا على استعداد الدولة لاستعادة جزء من قرارها السيادي. لكن هذا "الاستعداد" يظل هشاً، ما دام ميزان القوى الداخلي لا يسمح بمواجهة مفتوحة.
وفي هذا السياق، تبدو العلاقة بين الطرفين مرشحة لواحد من ثلاثة مسارات رئيسة:
المسار الأول، وهو الأكثر هدوءًا، يقوم على احتواء التوتر عبر تسويات داخلية غير معلنة. في هذا السيناريو، قد يتم امتصاص تداعيات القرار من خلال قنوات سياسية خلفية، حيث تعود العلاقة إلى نمطها التقليدي القائم على التباين المضبوط. هذا النموذج ليس جديداً في لبنان، حيث غالباً ما تُدار الأزمات عبر تدوير الزوايا بدل كسرها.
أما المسار الثاني، فيفترض تصاعد التوتر تدريجياً، بحيث تتحول العلاقة حالة من الشدّ والجذب المستمر. هنا، قد نشهد تعطيلاً أكبر للمؤسسات، وتصلباً في المواقف، وربما استخدام أدوات ضغط متبادلة، من الشارع إلى الحكومة. وفي ظل هذا السيناريو، يصبح الاستقرار الداخلي أكثر هشاشة، خصوصاً إذا ترافقت الأزمة السياسية مع تصعيد أمني.
المسار الثالث، وهو الأكثر خطورة، يتمثل في انزلاق العلاقة إلى قطيعة شبه كاملة بين السلطة و"الثنائي الشيعي". هذا الاحتمال، وإن كان مستبعداً على المدى القصير، إلا أنه قد يصبح واقعياً إذا تكررت خطوات تعتبرها قيادة حزب الله استهدافاً مباشراً لها. عندها، قد يدخل لبنان مرحلة من الانقسام الحاد، تعيد إلى الأذهان محطات سابقة من تاريخه المضطرب.
لكن ما يميّز اللحظة الراهنة هو تداخل العاملين الداخلي والخارجي بشكل غير مسبوق. فالحرب الإسرائيلية ضد حزب الله لا تضع الحزب وحده تحت الضغط، بل تضع الدولة اللبنانية أيضاً أمام اختبار صعب: كيف يمكن الحفاظ على السيادة من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية؟ وكيف يمكن إدارة العلاقة مع مكوّن أساسي في البلاد من دون التفريط بالتوازنات الدولية؟
في النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت العلاقة ستتوتر أو تهدأ، بل كيف ستُعاد صياغتها. فلبنان، الذي اعتاد على تسويات الحد الأدنى، يقف اليوم أمام لحظة قد تفرض عليه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومكوناتها الأساسية. وبين قرار سيادي محفوف بالمخاطر، وتصعيد عسكري يطرق الأبواب، تبقى كل الاحتمالات مفتوحة على مستقبل لا يشبه ما قبله.

