ندى أندراوس - خاصّ الأفضل نيوز
بين الضغوط الدولية والتصعيد الميداني جنوباً، يستعد لبنان للدخول إلى الجولة الثالثة من المباحثات مع إسرائيل في واشنطن، برئاسة السفير سيمون كرم، في مرحلة تبدو مختلفة عن الجولتين السابقتين من حيث مستوى التمثيل وطبيعة الأهداف المطروحة على الطاولة.
الجولة المرتقبة، التي تستضيفها وزارة الخارجية الأميركية يومَي الخميس والجمعة المقبلين، تأتي قبل أيام من الموعد المحدد لانتهاء وقف إطلاق النار في السابع عشر من الشهر الجاري، ما يمنحها طابعاً حاسماً في تحديد مسار المرحلة المقبلة جنوب لبنان.
مصادر ديبلوماسية كشفت للأفضل نيوز أن واشنطن، التي رفعت مستوى انخراطها المباشر في هذا الملف، لا تتعامل مع الاجتماعات بوصفها مجرد محاولة لتمديد التهدئة، بل تسعى إلى إطلاق مسار أوسع يفضي إلى ترتيبات أمنية وسياسية طويلة الأمد بين لبنان وإسرائيل، وتُظهر المواقف الأميركية أن الإدارة الحالية تريد الانتقال من إدارة الاشتباك إلى محاولة بناء إطار دائم للاستقرار، يشمل تثبيت الحدود، تعزيز سلطة الدولة اللبنانية، وفتح الباب أمام إعادة الإعمار والمساعدات الدولية.
وتفيد المصادر بأن الأميركيين ينظرون إلى هذه الجولة باعتبارها استكمالاً للاتصالات التي قادها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الأسابيع الماضية، وسط محاولة واضحة لإحداث خرق سياسي وأمني.
في المقابل، يدخل لبنان إلى المباحثات بأولويات مختلفة؛ فبيروت لا تبحث حالياً عن اتفاق سياسي شامل، بل تركز على انتزاع تثبيت نهائي لوقف إطلاق النار بدل الاكتفاء بصيغ مؤقتة أو تمديد متكرر للهدنة، كما يسعى الوفد اللبناني إلى وقف الخروق الإسرائيلية وتأمين انسحاب إسرائيلي من الجنوب وتهيئة الظروف لعودة السكان إلى القرى الحدودية.
دخول رئيس الوفد اللبناني المفاوض السفير سيمون كرم على خط المفاوضات اليوم مزودا بتوجيهات رئاسية واضحة، هو إشارة إلى حساسية الملفات المطروحة، ولا سيما تلك المتعلقة بالحدود والانتشار الأمني وآليات مراقبة وقف الأعمال العدائية، إلا أن خلف هذه العناوين، يدرك لبنان أن واشنطن تدفع تدريجياً نحو مقاربة أشمل تتصل بمستقبل الوضع الأمني والسياسي في الجنوب.
هذا المسار، يثير في الداخل حذراً واضحاً لدى الثنائي أمل وحزب الله، اللذين يتجنبان حتى الآن الذهاب إلى مواجهة مباشرة ضد المفاوضات، لكنهما يرفضان في الوقت ذاته، تحويلها إلى بوابة لتسويات سياسية أو أمنية تتجاوز عنوان وقف النار، فرئيس مجلس النواب نبيه بري، وبحسب ما أفادت معطيات الأفضل نيوز، حريص على إبقاء هذا المسار ضمن حدود التفاوض التقني والأمني، على غرار تجربة ترسيم الحدود البحرية، ولهذا يتمسك بالعودة إلى اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 وبإطار الميكانيزم، مع إدراكه ضمنا أن لا عودة عن المسار الذي انطلق في واشنطن؛ فخيارات لبنان محدودة. إذ إن استمرار المواجهة المفتوحة يهدد بمزيد من التدهور الاقتصادي والإنساني، وتوسع الحرب والقتل والدمار والجرف وربما الاحتلال.
هكذا يذهب لبنان إلى واشنطن: بين حاجة ملحة إلى وقف نهائي للنار، وضغوط أميركية لدفع المنطقة نحو ترتيبات جديدة، وانقسام داخلي يخشى أن تتحول التهدئة إلى بداية مسار سياسي يتجاوز ما هو مطروح رسمياً حتى الآن.

