ميرنا صابر – خاصّ الأفضل نيوز
في مشهد قد يبدو عادياً للكثيرين، تستلقي قطة صغيرة قرب صاحبها لساعات طويلة، تراقبه بهدوء، تقترب من مكان الألم، أو تتمدد فوق صدره أو ساقه المصابة وكأنها تدرك تماماً ما يحتاجه الجسد المتعب، لكن خلف هذا السلوك الهادئ، بدأت الأبحاث العلمية تطرح تساؤلات جدية: هل يمكن للقطط أن تلعب دوراً فعلياً في تحسين الحالة الجسدية والنفسيّة للإنسان؟ وهل تحمل "خرخرة" القطط تأثيراً قد يساعد على التئام الكسور وتحفيز العظام؟
في السنوات الأخيرة، عاد الاهتمام العلمي بما يُعرف بـ"العلاج بالحيوانات" إلى الواجهة، لكن القطط تحديداً خطفت الأنظار بعد دراسات ربطت بين ترددات خرخرتها وبين تحفيز عمليات الشفاء داخل الجسم البشري.
ووفق أبحاث نُشرت في مجلات علميّة متخصصة، فإن تردد خرخرة القطط يتراوح غالباً بين 25 و150 هرتز، وهي ترددات يعتقد العلماء أنها قريبة من الترددات المستخدمة طبياً لتحفيز نمو العظام والأنسجة وتسريع التعافي من الإصابات والكسور.
الأمر لا يتوقف عند العظام فقط، فالخبراء يشيرون إلى أن مجرد جلوس القط قرب صاحبه قد يخفّض مستويات التوتر والقلق، ويقلل من ضغط الدم، ويعزز إفراز هرمونات مرتبطة بالراحة النفسية، أبرزها السيروتونين والأوكسيتوسين. وهذا ما يفسّر، بحسب مختصين، شعور الكثير من الأشخاص براحة غريبة عند احتضان قططهم خلال فترات التعب أو الحزن أو حتى المرض.
المثير للاهتمام أن بعض الدراسات لاحظت سلوكاً متكرراً لدى القطط يتمثل بمحاولة الاقتراب من المناطق المصابة أو المؤلمة في جسم الإنسان، وهو ما دفع البعض لوصفها بـ"الكائنات الحساسة للطاقة".
ورغم أن العلم لم يحسم بعد قدرة القطط على استشعار المرض بشكل مباشر، إلا أن باحثين يؤكدون أن القطط تلتقط تغيّرات بسيطة في حرارة الجسم، والرائحة، ونبضات الحركة، ما يجعلها أكثر إدراكاً لحالة أصحابها الجسدية والنفسية.
في لبنان، يبدو أن العلاقة بين الناس والحيوانات الأليفة شهدت تحولاً واضحاً خلال السنوات الأخيرة، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة؛ فجمعيات ومبادرات ناشطة في ملف إنقاذ الحيوانات تؤكد تسجيل ارتفاع ملحوظ في طلبات التبني، خصوصاً للقطط، مقابل تراجع ثقافة الشراء لدى فئة واسعة من الشباب اللبناني.
وتشير معلومات خاصة لـ"الأفضل نيوز" إلى أنّ: "عدداً من ملاجئ الحيوانات في بيروت وجبل لبنان بات يسجل ضغطاً متزايداً على طلبات الرعاية والتبني، خاصة بعد الحرب والأزمات النفسيّة والاجتماعيّة التي دفعت كثيرين للبحث عن "رفقة منزلية" تخفف الشعور بالوحدة والضغط اليومي".
وبحسب متابعين لهذا القطاع، فإن صفحات ومجموعات تبني الحيوانات في لبنان تشهد نشاطاً أكبر مقارنة بالسنوات الماضية، فيما تعمل جمعيات محلية على إطلاق منصات رقميّة مجانيّة لتسهيل عمليات التبني وربط الحيوانات المشردة بعائلات جديدة.
مصادر خاصة لـ"الأفضل نيوز" تكشف أيضاً أنّ: "بعض العيادات البيطرية في لبنان لاحظت ارتفاعاً في عدد مراجعات القطط المنزلية خلال العامين الأخيرين، بالتوازي مع ازدياد الإنفاق على الرعاية البيطرية وأغذية الحيوانات، رغم الأزمة المعيشية القاسية".
ويرى مختصون أن هذا التغير يعكس تبدلاً تدريجياً في نظرة المجتمع اللبناني للحيوانات الأليفة، بعدما باتت بالنسبة للكثيرين جزءاً من العائلة وليس مجرد "حيوان داخل المنزل".
في عالم يزداد فيه الضغط النفسي والعزلة، يرى مختصون أن العلاقة بين الإنسان والحيوانات الأليفة لم تعد مجرد رفاهية أو هواية، بل تحولت لدى كثيرين إلى شكل من أشكال الدعم العاطفي الحقيقي، حتى أن بعض المراكز العلاجية حول العالم بدأت تعتمد القطط والكلاب ضمن برامج الدعم النفسي لكبار السن والمرضى والأشخاص الذين يعانون من القلق والاكتئاب.
لكن رغم كل هذه المؤشرات الإيجابية، يشدد الأطباء على أن القطط لا يمكن أن تكون بديلاً عن العلاج الطبي، بل عاملاً مساعداً قد يساهم في تحسين الحالة النفسية والجسدية بشكل غير مباشر، ومع ذلك، تبقى الفكرة التي تثير فضول الملايين: ربما لم تكن القطط تقترب منا فقط بحثاً عن الدفء… بل لأنها تدرك، بطريقتها الخاصة، أننا بحاجة إليها أكثر مما نعتقد.

