طارق ترشيشي _خاص الأفضل نيوز
يبدو أن التصعيد الإسرائيلي الخطير والمتدرجً ضد لبنان يتجاوز في أبعاده الإطار العسكري المباشر، ليعكس تداخلاً واضحاً بين الحسابات الأمنية والسياسية والإقليمية. فالتهديدات الإسرائيلية المتكررة بقصف بيروت وضاحيتها الجنوبية، وربطها باستخدام حزب الله المسيّرات الانقضاضية ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتزامن مع حديث متصاعد عن تفاهم وشيك بين واشنطن وطهران، ومع اقتراب موعد المفاوضات الأمنية المباشرة بين لبنان وإسرائيل المقررة في 29 أيار الجاري في البنتاغون.
ولذلك يبدو واضحاً أن ما يجري ليس مجرد ردّ عسكري موضعي على مسيرات حزب الله العاملة بالألياف الضوئية التي عجزت إسرائيل عن التصدي لها حتى الآن، بل هو محاولة إسرائيلية لإعادة رسم قواعد الاشتباك وفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة قبل أي تسويات محتملة في المنطقة.
وتعتبر إسرائيل أن استخدام حزب الله للمسيّرات الانقضاضية ضد مواقع قوات الاحتلال الإسرائيلي وآلياتها وتجمعاتها ومراكزها القيادية في المنطقة الحدودية وشمال فلسطين المحتلة يمثل تحولاً مهماً في طبيعة المواجهة على الجبهة الجنوبية اللبنانية. فهذه المسيّرات لا تحمل فقط بعداً عسكرياً تقنياً، بل تعكس أيضاً تطوراً في قدرة الحزب على إدارة حرب استنزاف مخفوضة الكلفة وعالية التأثير. فالمسيّرات باتت قادرة على تجاوز المنظومات الدفاعية الإسرائيلية، واستهداف مواقع عسكرية وحساسة بدقة أكبر، ما يضع قوات الاحتلال الإسرائيلية أمام تحديات متزايدة. ومن هنا تحاول تل أبيب استعادة قوة الردع عبر رفع سقف التهديد، من خلال التلويح باستهداف بيروت وضاحيتها الجنوبية، بهدف إيصال رسالة واضحة للسلطة اللبنانية ولحزب الله وحلفائه مفادها أن أي تصعيد من الجنوب ستكون كلفته مرتفعة على المستوى اللبناني الداخلي.
لكن القراءة الأوسع للتصعيد لدى بعض الأوساط السياسية والديبلوماسية تظهر أن البعد العسكري ليس سوى جزء من المشهد. فإسرائيل تنظر بقلق بالغ إلى الحديث عن تفاهمات أميركية ـ إيرانية قد تتبلور خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً إذا شملت وقف الحرب على الجبهة اللبنانية أو فرض قيود غير مباشرة على العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد حزب الله. وتخشى تل أبيب أن يؤدي أي اتفاق بين واشنطن وطهران إلى تكريس واقع جديد يمنح الحزب فرصة لإعادة تنظيم قدراته العسكرية تحت غطاء تهدئة إقليمية، في وقت تعتبر إسرائيل أن المواجهة معه لا تزال مفتوحة وأن أي وقف للضغط العسكري سيمنحه فرصة لتعزيز قوته.
ومن هنا يمكن فهم التصعيد الإسرائيلي الحالي في اعتباره محاولة استباقية لفرض معادلات جديدة قبل تثبيت أي تفاهم إقليمي. فإسرائيل تريد التأكيد للإدارة الأميركية أنها لن تقبل بأي اتفاق يحد من حرية حركتها العسكرية في لبنان، كما تريد توجيه رسالة إلى إيران مفادها أن الجبهة اللبنانية ستبقى ساحة ضغط مفتوحة حتى لو تمّ التوصل إلى تفاهمات سياسية أوسع. ولذلك تبدو التهديدات ضد بيروت والضاحية جزءاً من عملية ضغط سياسية بمقدار ما هي جزء من استراتيجية عسكرية.
وفي الوقت نفسه، يتزامن هذا التصعيد مع اقتراب موعد المفاوضات الأمنية المرتقبة بين لبنان وإسرائيل في 29 من ايار الجاري في مقر "البنتاغون". ومن المعروف أن إسرائيل تعتمد غالباً سياسة رفع مستوى الضغط الميداني قبل أي مفاوضات، بهدف تحسين شروطها السياسية والأمنية على طاولة التفاوض. فهي تسعى إلى الدخول إلى أي نقاش أمني من موقع القوة، مستفيدة من الضغوط العسكرية والنفسية التي تفرضها على لبنان.
ويبدو أن إسرائيل ستحاول من هذه المفاوضات تحقيق مجموعة من الأهداف، أبرزها تعزيز "الضمانات الأمنية" على الحدود الشمالية، وتوسيع دور الجيش اللبناني جنوب الليطاني، والحد من حرية حركة حزب الله العسكرية في المنطقة الحدودية. كما ستسعى إلى تثبيت ترتيبات أمنية تمنحها هامشاً أكبر من حرية العمل العسكري والاستخباراتي داخل الساحة اللبنانية، تحت عنوان مواجهة تهديدات الحزب.
في المقابل، يحاول لبنان الرسمي ستكون أولويته تثبيت وقف إطلاق النار ووقف الاعتداءات الإسرائيلية مع التشديد على تطبيق القرارات الدولية وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من المناطق المحتلة بما يمهد لإطلاق الأسرى وعودة النازحين وإطلاق عملية إعادة الإعمار. إلا أن إسرائيل تبدو معنية بنقل النقاش من مسألة وقف التصعيد إلى مسألة سلاح حزب الله نفسه، في اعتبار أن هذا الملف يشكل الهدف الاستراتيجي الأهم بالنسبة إليها منذ سنوات.
أما داخلياً، فإن أحد أبرز أهداف التصعيد الإسرائيلي يتمثل في تعميق الانقسام اللبناني حول سلاح حزب الله ودوره الإقليمي. فتل أبيب تدرك جيداً أن الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي والضغوط الاجتماعية التي يعيشها لبنان تجعل جزءاً من اللبنانيين أكثر حساسية تجاه أي تصعيد عسكري قد يهدد ما تبقى من استقرار هش. ولذلك تراهن إسرائيل على أن استمرار التهديدات لبيروت والضاحية وما يرافقها من خوف ونزوح وخسائر اقتصادية، قد يؤدي إلى ارتفاع الأصوات الداخلية التي تحمل حزب الله مسؤولية تدهور الأوضاع.
وفي هذا السياق، تحاول إسرائيل دفع الدولة اللبنانية والقوى السياسية إلى الدخول في مواجهة سياسية مع الحزب، أو على الأقل إلى تبني خطاب أكثر تشدداً تجاه سلاحه ودوره العسكري. وهي تعتقد أن الضغط الأمني والاقتصادي قد يخلق بيئة داخلية أكثر استعداداً للقبول بترتيبات أمنية جديدة في الجنوب أو بزيادة الضغوط على الحزب.
غير أن هذه الاستراتيجية الإسرائيلية لا تخلو من مخاطر معاكسة. فالتجارب السابقة أظهرت أن توسيع دائرة التهديد لتشمل بيروت والضاحية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ غالباً ما تعود حالة التضامن الداخلي للظهور عندما يشعر اللبنانيون بأن بلادهم تتعرض لتهديد مباشر. كما أن أي استهداف واسع للمدنيين أو للبنية التحتية قد يعيد خلط الأوراق داخلياً ويمنح حزب الله كمقاومة مساحة أوسع في مواجهة العدوان الإسرائيلي.
وإلى جانب ذلك، تدرك إسرائيل أن أي انزلاق إلى حرب شاملة مع لبنان يرتب عليها أثماناً كبيرة سواءً على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو السياسي. لأن جبهتها الشمالية لا تزال تشكل مصدر قلق أساسي، خصوصاً في ظل التطور المستمر في قدرات حزب الله الصاروخية والتقنية، وتزايد الحديث داخل إسرائيل نفسها عن صعوبة حسم أي مواجهة مقبلة بسرعة أو بكلفة مخفوضة.
وفي أي حال، ترى الأوساط السياسية والديبلوماسية أن التصعيد الإسرائيلي الحالي يتجاوز كونه رداً مباشراً على هجمات مسيّرات حزب الله، ليشكل جزءاً من معركة سياسية وإقليمية أوسع تحاول إسرائيل من خلالها تحقيق عدة أهداف متزامنة: استعادة قوة الردع، تحسين شروطها قبل المفاوضات الأمنية، التأثير على مسار التفاهم الأميركي ـ الإيراني، والضغط لتفجير أو تعميق الخلاف الداخلي اللبناني حول سلاح حزب الله.

