نبيه البرجي - خاص الأفضل نيوز
"... لنقول لبنيامين نتنياهو إن الشرق الأوسط ليس أرض الميعاد. هنا حلبة الصراع بين القوى العظمى حول قيادة الكرة الأرضية، لتشكل الحرب بين أميركا وإيران، بالموقع الجغرافي البالغ الحساسية في المشروع الصيني "الحزام والطريق"، محاولة من الرئيس دونالد ترامب لقطع الطريق، وإن بطريقة قطاع الطرق، على التنين والتسلل الاستراتيجي، بعد التسلل الاقتصادي، إلى المنطقة".
القائل إيلان بابيه، المؤرخ الإسرائيلي والأستاذ في كلية العلوم الاجتماعية والدراسات الدولية في جامعة إكستر البريطانية، والذي يقف مشدوهاً أمام "عبثية نتنياهو الذي لم يلاحظ حتى الآن أنه "الصبي الأميركي"، لا الحاخام ولا النبي الذي يعمل بقيادة "رب الجنود" لإقامة "مملكة يهوه" التي تعني في الليتورجيا اليهودية "عرش العالم". لكنه الدخول الغبي في ثقافة الغيب في عالم على وشك الانتقال ليس فقط إلى حقبة ما بعد الأيديولوجيا، وإنما إلى ما بعد الزمن، وربما إلى ما بعد الإنسان، كما يقول جون مكارثي، الأب الروحي للذكاء الاصطناعي.
لنتذكر أن المؤرخ الإسرائيلي الآخر شلومو ساند، صاحب كتاب "اختراع شعب إسرائيل"، سأل ما إذا كان للدولة اليهودية، بالحمولة التوراتية والتلمودية، أن تعثر لها على موطئ قدم في الخارطة العتيدة للشرق الأوسط. السبب دوماً في اللجوء إلى السياسات الهستيرية والدموية لتحقيق مشروع بعيد كلياً عن لغة القرن وعن ديناميات القرن.
قيل الكثير في استدراج رئيس الحكومة الإسرائيلية الرئيس الأميركي إلى شن الحرب ضد إيران، باعتبار أن تقويض النظام هناك لا بد أن يفضي إلى تغيير المسار التاريخي، وحتى المسار الجغرافي للشرق الأوسط. ما كانت النتيجة؟ وقف النار خارج المسرح الجنوبي جاء بقرار من الرئيس دونالد ترامب الذي توخى إحداث فسحة أمام السلطة اللبنانية، واتخاذ خطوات هامة في اتجاه المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. لكن الثابت أن حسابات واشنطن تختلف عن حسابات تل أبيب التي تراهن على ما هو أبعد بكثير من الاتفاق الأمني، إن مع لبنان أو مع سوريا، لاقتناع أركان الائتلاف بأن الأرضية العسكرية التي أحدثتها الحرب يمكن أن تحقق قفزة نوعية نحو المرحلة التالية باتجاه "إسرائيل الكبرى".
إلحاق 70% من أراضي غزة بالدولة العبرية، على أن يعقب ذلك إلحاق الضفة، مع ترتيب معين بالنسبة إلى الجنوب اللبناني كما الجنوب السوري، إذ لا يمكن لذلك الائتلاف أن يخرج من الميدان خاوي الوفاض، على مسافة قوسين أو أدنى من انتخابات الكنيست التي قد تفضي إلى خلع نتنياهو عن "عرش سليمان"، وإن كانت أفكار نفتالي بينيت أو يائير لابيد، وحتى الجنرال غادي آيزنكوت، الأكثر قرباً من رئاسة الحكومة، لا تختلف أيديولوجياً واستراتيجياً عن أفكار زعيم الليكود.
هنا يوجد من يسأل: هل أطلقت طهران صواريخها رداً على استهداف الضاحية كرسالة، بالنار، إلى دونالد ترامب الذي يريد الخروج من عنق الزجاجة، أم لوقف مفاوضات واشنطن بين لبنان وإسرائيل، بعدما أشارت معلومات الظل إلى أن ما جرى خلال الجلسة التفاوضية الأخيرة اقترب كثيراً من التطرق إلى بنود اتفاق أمني يشق الطريق نحو السلام الدائم بين الجانبين؟ وهذا ليس من مصلحة إيران التي تريد الاحتفاظ بموطئ قدم لها على ضفاف المتوسط، كحلم فارسي قديم يعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد (السلالة الأخمينية).
بيد أن المعلق البارز جدعون ليفي اعتبر أن ضربة الضاحية بمثابة إعلان العصيان الإسرائيلي على أميركا، لتسأل صحيفة "معاريف": "ما الذي جنيناه، بحق الجحيم، من قيام نتنياهو بالهجوم مجدداً على ضاحية بيروت؟". واعتبرت أن "السلوك الإسرائيلي في لبنان يهدد الأصول الاستراتيجية الأكثر أهمية التي حققناها هناك في السنوات الأخيرة".
الصحيفة لاحظت أن "الهجوم أتى في لحظات حساسة من المفاوضات الأميركية مع إيران، عندما تبذل الولايات المتحدة جهوداً في لبنان للفصل بين الساحات"، لتضيف أن "حزب الله" لن ينهار بسبب مبنى فارغ في بيروت. هذا لم يمنع وزارة الخارجية الإيرانية من اتهام الولايات المتحدة بالوقوف وراء تجدد التوتر، وإن أضاف المتحدث باسم الوزارة: "إن موقف الولايات المتحدة المتمثل بعدم علمها بتحركات إسرائيل، إما أن هذه الأخيرة تدبر مكيدة ضدها أو أن هناك توزيعاً للأدوار بينهما".
وإذا كنا قد نقلنا ما يقال حول محاولة طهران تقويض المسار التفاوضي اللبناني ـ الإسرائيلي بإطلاق الصواريخ على إسرائيل، يقال أيضاً إن ضرب إسرائيل للضاحية، بعد التهديد الإيراني، يرمي إلى قطع الطريق على إبرام مذكرة التفاهم التي تحدث ترامب عن قرب التوقيع عليها. ليتحدث خبير الأمن والشؤون الاستراتيجية في مؤسسة "ويكي سترات" ريتشارد وايتز عن قلق ترامب من انفلات الوضع وخروجه عن السيطرة.
الموقف الأميركي أدى إلى وقف النار من الجانبين الإيراني والإسرائيلي، لتكون الأولوية الآن للخروج من النفق الديبلوماسي في اتجاه الاتفاق، وليبدو أن ليلة النيران كانت ضرورية لتفجير فوهة هذا النفق وفتح أبواب الأفق، بدل أبواب الجحيم، في الشرق الأوسط...

