عماد مرمل - خاص الأفضل نيوز
بعد مخاض عسير وطويل، وُلدت مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية، على الرغم من محاولات بنيامين نتنياهو في اللحظات الأخيرة تعطيلها أو تأخيرها عبر قصف الضاحية الجنوبية، والذي كان من بين مراميه تكريس فصل المسار اللبناني عن الإيراني، فأتت النتيجة عكسية كما يُستدل من محتوى الاتفاق.
وخلافاً لحسابات نتنياهو، بدا أن ضربته على الضاحية شكّلت حافزاً لدى دونالد ترامب والوسطاء لإنجاز اللمسات الأخيرة على مذكرة التفاهم، كما سمحت لإيران بتحويل التهديد فرصةً وبتحسين شروط المقايضة عبر تحصين البند اللبناني في التفاهم في مقابل عدم الرد على استهداف الضاحية، وتحديداً لجهة تأكيد وقف إطلاق النار الشامل واحترام سيادة لبنان وأراضيه، في إشارة إلى وجوب تحقيق الانسحاب الإسرائيلي خلال مسار المفاوضات على الاتفاق النهائي، التي ستستمر ستين يوماً، إضافة إلى تحصيل التزام أميركي بلجم نتنياهو ومنعه من تكرار مهاجمة الضاحية.
وتفيد المعلومات المتقاطعة أن طهران كانت في صدد قصف شمال الكيان الإسرائيلي بعد الاعتداء على منطقة الغبيري، لولا تدخل الوسيطين الباكستاني والقطري لاحتواء الموقف، ومسارعة الرئيس دونالد ترامب إلى تهدئة الإيرانيين عبر رسائل دبلوماسية تضمنت تطمينات بضبط إيقاع نتنياهو، الذي كاد يفسد على الرئيس الأميركي عيد ميلاده الثمانين بإرساله هدية مسمومة له تمثلت في شن غارة الضاحية قبيل ساعات قليلة من إبرام الاتفاق الإطاري مع طهران، الأمر الذي أغضب ترامب ودفعه إلى تأنيب نتنياهو علناً للمرة الثانية خلال أسبوع، بل إنه ذهب إلى الدفاع عن حزب الله، معتبراً أن الهجوم الذي تعرضت له "إسرائيل" كان محدوداً للغاية ولم يؤدِّ إلى سقوط إصابات، وبالتالي لم يكن يستحق الرد الذي حصل.
وبناءً عليه، ستكون فترة الستين يوماً المقبلة بمثابة حقل اختبار متبادل للالتزامات الأميركية والإيرانية في التفاهم المبرم، والذي يستند إلى سياق "خطوة - خطوة"، ولعل الساحة اللبنانية ستشكّل ميدان الامتحان الأدق للاتفاق الإطاري وللنيات الحقيقية، في ظل إصرار طهران على شمول لبنان بقرار وقف الحرب كلياً، استناداً إلى قاعدة وحدة الساحات سلماً وحرباً، والتي أعادت إيران العمل بها خلال المواجهة الأخيرة مع الولايات المتحدة وتل أبيب.
ولا بد من انتظار مجريات التطورات الميدانية في الأيام المقبلة لتبيان نمط التعامل الإسرائيلي مع الشق اللبناني من اتفاق إسلام آباد، وما إذا كانت تل أبيب ستتقيد به على نحو تام أم ستحاول مجدداً إعادة تكريس حرية الحركة وفق تقديرها للتهديدات المفترضة، وهو ما لا يمكن أن يقبل به حزب الله الذي انخرط في الحرب أساساً لتعطيل هذه المعادلة التي كانت سائدة قبل 2 آذار، وأدت إلى استنزافه على امتداد خمسة عشر شهراً، علماً أن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، ومن بينهم رئيس الحكومة ووزير الحرب، تجزم بأنه لن يحصل انسحاب قريب من الأراضي اللبنانية، وأن قوات الاحتلال ستبقى في المناطق الأمنية في غزة ولبنان وسوريا.
وبمعزل عن طبيعة السيناريو الذي سيعتمده نتنياهو في لبنان في المرحلة المقبلة، ورغم مكابرته وإنكاره للوقائع التي أفرزتها الحرب والتسوية، فإن الواضح أنه المتضرر الأكبر، وربما الأوحد، من مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية التي تكرّس حقائق سيئة بالنسبة إليه، وهي:
ـ فشل محاولة إسقاط النظام الإيراني، الذي كان الهدف المركزي لنتنياهو من الانخراط في الحرب على إيران.
ـ إخفاق الخطة "ب"، التي كانت تتمثل في تقسيم إيران عبر تحريك النعرات الداخلية والنزعات الانفصالية.
ـ تجاهل أي إشارة في مذكرة التفاهم إلى البرنامج الصاروخي البالستي لإيران، والذي يشكّل هاجساً أساسياً لتل أبيب، وكان التخلص منه يُصنَّف من مطالبها الأساسية، خصوصاً بعد ثبوت فعالية الصواريخ البالستية وقدرتها على إلحاق ضرر كبير بالداخل الإسرائيلي أثناء مواجهتي الـ12 والـ40 يوماً.
ـ عدم النجاح في قطع شرايين العلاقة بين طهران وحلفائها في المنطقة، بل إن الحرب الأخيرة عززت تلك العلاقة تحت سقف وحدة الساحات.

