إلياس المرّ - خاصّ الأفضل نيوز
تفتح مذكرة التفاهم غير المعلنة بالكامل بين الولايات المتحدة وإيران، والتي لعبت باكستان دوراً محورياً في تسهيل مساراتها الخلفية الباب أمام مرحلة شديدة الحساسية في غرب آسيا، حيث تبدو التسويات أكبر من مجرد اتفاق نووي، وأعمق من مجرد هدنة سياسية مؤقتة؛ فالشيطان يكمن في التفاصيل، لا في النصوص العامة، خصوصاً أن المنطقة تقف فوق شبكة ألغام سياسية وأمنية تمتد من لبنان إلى سوريا، ومن الخليج إلى البحر الأحمر.
في الظاهر، تبدو واشنطن وطهران أمام تفاهم يخفف احتمالات الحرب المفتوحة، لكن في العمق ما تزال ملفات لبنان واليورانيوم المخصب، وآليات الرقابة، والعقوبات الاقتصادية، والأموال الإيرانية المجمدة، تشكل عناصر اشتباك قابلة للانفجار في أي لحظة،إيران تنظر إلى الاتفاق باعتباره خطوة تجريبيّة، لا تسوية نهائية، فيما تسعى واشنطن إلى شراء الاستقرار المرحلي، خشية انهيار اقتصادي عالمي جديد يرتبط مباشرة بأمن الطاقة ومضيق هرمز.
لقد أثبتت المواجهات الأخيرة أن “هرمز” ليس مجرد معبر مائي، بل شريان الحياة للاقتصاد العالمي، وأن قدرة إيران على تهديد الملاحة فيه كانت أحد أبرز العوامل التي دفعت الإدارة الأميركية نحو التهدئة والتوقيع. لذلك، فإن يد طهران ما تزال على الزناد، تراقب التنفيذ بدقة، وتترقب أي إخلال محتمل بالالتزامات الغربية لتعود سريعاً إلى التصعيد النووي والأمني.
غير أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في الملف الإيراني، بل في كيفية ترجمة هذه التفاهمات على الساحات الإقليمية، وخصوصاً في لبنان وسوريا؛ ففي لبنان، يطرح ملف وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي أسئلة مصيرية حول مستقبل الحدود الجنوبية، وحول حقيقة النيات الإسرائيلية، هل يريد بنيامين نتنياهو فعلاً تسوية دائمة قائمة على احترام الحدود الدولية، أم أنه يسعى إلى فرض نموذج “المناطق الآمنة” في جنوب لبنان وغزة وسوريا، تمهيداً لتكريس واقع جغرافي وأمني جديد يخدم مشروع “إسرائيل الكبرى”؟
هذا السؤال يتصل مباشرة بالوضع السوري، حيث تتزايد المخاوف من دفع دمشق مجدداً نحو الساحة اللبنانية، لكن هذه المرة تحت غطاء إقليمي مختلف تقوده اسرائيل وبعض القوى من محورها في المنطقة، فهناك من يرى أن إعادة تعويم الدور السوري في لبنان قد تستخدم كوسيلة مزدوجة: إضعاف سوريا عبر استنزافها أمنياً، وفي الوقت نفسه إعادة شرذمة الداخل اللبناني وإبقائه ساحة صراع سني شيعي مفتوح.
في المقابل، تبدو دول الإقليم أمام إعادة تموضع استراتيجية؛ فباكستان، التي برزت لاعباً صاعداً في التوازنات الإسلامية والإقليمية، تحاول تثبيت نفسها كوسيط قادر على مخاطبة واشنطن وطهران والخليج في آن واحد. أما تركيا، مع سعيها إلى توسيع نفوذها الجيوسياسي من سوريا إلى شرق المتوسط، وشمال إفريقيا عبر ليبيا، تتجنب الاحتكاك المباشر بإسرائيل، بينما تدفع السعودية ودول الخليج نحو أولوية الاستقرار الاقتصادي والأمني، انطلاقاً من قناعة بأن استمرار الحروب سيهدد مشاريع التحول الكبرى التي تقودها المملكة في المنطقة.
أما مصر، فتراقب بحذر تمدد الفوضى من السودان إلى البحر الأحمر، وصولاً إلى الحديث عن خرائط جديدة تمتد من السويداء إلى أرض الصومال، في إطار مشروع تفتيتي يخشى كثيرون أن يكون مقدمة لإعادة رسم الشرق الأوسط على أسس إثنية وأمنية هشة، وهنا الإمارات حاضرة بقوة.
وسط هذه التحولات، تبقى الأنظار متجهة إلى واشنطن: ماذا ستعطي الإدارة الأميركية لإسرائيل تعويضاً عن التفاهم مع إيران؟ وهل يمكن أن تمنح تل أبيب مكاسب سياسية وأمنية في لبنان وسوريا مقابل احتواء التصعيد مع طهران؟
لبنان بدوره يقف أمام لحظة مفصلية شديدة الخطورة، فبين الضمانات الدولية والعقبات الميدانية، يخشى اللبنانيون أن تتحول التسويات الكبرى إلى مقايضات على حساب سيادتهم وحدودهم واستقرارهم الداخلي، لذلك، فإن المرحلة المقبلة لن تقاس فقط بما يُوقّع في العواصم، بل بكيفية تنفيذ تلك الاتفاقات على الأرض، حيث تبقى التفاصيل وحدها القادرة على صناعة السلام… أو إعادة إشعال الحروب.

