راما الجراح - خاص الأفضل نيوز
أعادت وفاة رضيعة عُثر عليها قبل يومين متروكة خلف إحدى الجامعات في شمال لبنان، داخل كيس نايلون، قبل أن تفارق الحياة متأثرة بمضاعفات صحية، إلى تسليط الضوء على ظاهرة التخلي عن الأطفال في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة. وبينما تتباين الأسباب والظروف المحيطة بكل حالة، يجمع مختصون على أن هذه الظاهرة تستدعي مقاربة شاملة تتجاوز معالجة النتائج إلى البحث في الأسباب العميقة التي تدفع إليها.
بيطار: الظاهرة انعكاس لأزمات اجتماعية ونفسية متراكمة
تؤكد مديرة العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية – الفرع الرابع الدكتورة داليدا بيطار أن ظاهرة التخلي عن الأطفال لا يمكن اختصارها باعتبارها حادثة فردية أو مسألة أخلاقية فقط، بل هي انعكاس لمشكلات اجتماعية واقتصادية ونفسية تراكمت خلال السنوات الماضية، لا سيما منذ عام 2019. وتشير إلى أن مثل هذه الظواهر تزداد في البيئات التي تعاني من الفقر الحاد والأزمات المتلاحقة.
وتلفت إلى أن اللبنانيين يعيشون منذ سنوات حالة من القلق المستمر والتعب والتوتر الصامت، ما يترك آثاراً واضحة على الصحة النفسية والسلوك الاجتماعي، ويؤدي أحياناً إلى تصرفات لم تكن مألوفة سابقاً. وتضيف أن الفقر والتفكك الأسري والعنف وضعف شبكات الحماية الاجتماعية تشكل عوامل أساسية في إنتاج هذه السلوكيات.
وعن حادثة الرضيعة التي تُركت خلف إحدى الجامعات في شمال لبنان، تشير بيطار عبر "الأفضل نيوز" إلى أنه يمكن اعتبارها حالة فردية، إذ غالباً ما يتم ترك الأطفال في أماكن يُرجّح العثور عليهم فيها أو نقلهم إلى مؤسسات الرعاية. وتوضح أن أسباباً مختلفة قد تكون دفعت أهل الطفلة إلى هذا التصرف، من بينها مشكلات الإدمان أو ظروف نفسية واجتماعية شديدة الصعوبة أدت إلى سلوك غير سوي يفتقر إلى الضوابط العقلية والأخلاقية.
وتشدد على أن مواجهة الظاهرة تبدأ بمعالجة أسبابها الاجتماعية والنفسية والاقتصادية، معتبرة أن الجمعيات ومؤسسات الحماية تؤدي دوراً مهماً في التخفيف من آثارها لكنها غير قادرة وحدها على مكافحتها. كما تشير إلى أن هذه المؤسسات تعاني من ضعف الدعم الرسمي، في وقت تحتاج فيه إلى تعزيز إمكاناتها وتأمين الحماية القانونية والصحية والنفسية للأطفال المتروكين، إلى جانب وضع سياسات اجتماعية أكثر فاعلية تعيد دمج الأفراد في المجتمع وتحد من تفاقم الأزمات.
الأسمر: المطلوب معالجة الأسباب وتعديل بعض القوانين
من جهته، يعتبر رئيس المجلس اللبناني لحقوق الإنسان ربيع الأسمر أن المقاربة الفعلية لهذه الظاهرة يجب أن تبدأ من الأسباب الأساسية التي تدفع إلى التخلي عن الأطفال، مشيراً إلى أن نسبة كبيرة من الحالات ترتبط بأمهات عازبات يواجهن ظروفاً اجتماعية وقانونية معقدة، سواء كان الحمل مرغوباً أم غير مرغوب به.
ويؤكد الأسمر لـ"الأفضل نيوز" ضرورة إعادة النظر في بعض القوانين بما يسمح للأم بتسجيل طفلها باسمها ويحول دون وجود أطفال غير مسجلين في لبنان، معتبراً أن ذلك يشكل خطوة أساسية لحماية حقوق الطفل. كما يدعو إلى تعزيز الوعي المجتمعي والتعامل مع هذه القضايا بمسؤولية أكبر للحد من تكرارها ومنع سقوط المزيد من الأطفال ضحايا لظروف لا يد لهم فيها.
قد تكون هذه الحادثة فردية في ظروفها، لكنها ليست معزولة عن واقع اجتماعي مأزوم تتقاطع فيه الأزمات الاقتصادية والنفسية والقانونية. وبينما تتوزع المسؤوليات بين الدولة والمجتمع ومؤسسات الحماية، تبقى الحاجة ملحّة إلى سياسات أكثر فاعلية تعالج الأسباب التي تقف خلف هذه الظواهر، وتعزز حماية الأطفال وتضمن لهم حقهم في الحياة والرعاية والأمان.

