طارق ترشيشي - خاصّ الأفضل نيوز
يبدو أن الشرق الأوسط تجاوز مرحلة إدارة الأزمات، ودخل في مرحلة إعادة صوغ النظام الإقليمي الذي سيتحكم بتوازناته لعقود مقبلة، وما يجري اليوم في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان وإيران، وما يدور في واشنطن وتل أبيب، ليس سلسلة أحداث متفرقة، بل حلقات مترابطة في مشروع سياسي وأمني يرمي إلى إعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة بعد الحرب، فيما تتقاطع هذه التحولات مع استحقاقات انتخابية مصيرية في الولايات المتحدة وإسرائيل تجعل حسابات السياسة الداخلية جزءاً لا يتجزأ من حسابات الأمن والاستراتيجية.
ومن هذا المنطلق، لم يكن اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض مناسبة بروتوكولية أو لقاءً لتقييم نتائج الحرب ومساراتها فحسب، بل محطة لتحديد معالم المرحلة التالية؛ فالإدارة الأميركية ترى أن المواجهة الجارية مع إيران وما سبقها من حرب غزة أوجدتا فرصة لإعادة ترتيب الشرق الأوسط على أسس جديدة، بينما يعتبر نتنياهو أن إسرائيل بلغت لحظة تاريخية تسمح لها بترجمة تفوقها العسكري إلى وقائع سياسية وأمنية دائمة.
ولعل ما يجري في الضفة الغربية هو التعبير الأوضح عن هذه الاستراتيجية؛ فالتوسع الاستيطاني، وتصاعد العمليات العسكرية، ومحاولات إضعاف السلطة الفلسطينية، لم تعد مجرد إجراءات أمنية، بل تبدو جزءاً من مسعى لفرض وقائع تجعل أي عودة إلى مشروع الدولة الفلسطينية أكثر تعقيداً، وتدفع في اتجاه تكريس واقع جديد يسبق أي تسوية سياسية مستقبلية؛ فإسرائيل تسابق الزمن لإعادة رسم الجغرافيا السياسية الفلسطينية، مستفيدة من انشغال المجتمع الدولي بالحروب الإقليمية الكبرى.
وفي المقابل، تتجه واشنطن إلى معالجة الملف الإيراني من زاوية مختلفة، فالهدف لم يعد يقتصر على احتواء البرنامج النووي، بل يمتد إلى تقليص مجمل النفوذ الإيراني في الإقليم، ومنع طهران من إعادة بناء منظومة القوى الحليفة التي شكلت طوال العقدين الماضيين أحد أهم عناصر قوتها. ومن هنا، تأتي الرسائل الأميركية المتكررة بأن أي تسوية مقبلة لن تسمح بعودة حزب الله إلى الموقع العسكري والسياسي الذي كان يشغله قبل الحرب، في اعتبار أن مستقبل الحزب أصبح جزءاً من إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، وليس مجرد شأن لبناني داخلي.
أما إسرائيل، فتسعى إلى استثمار هذه اللحظة إلى أقصى الحدود؛ فهي تلوح بتوسيع المنطقة الأمنية التي تحتلها في جنوب لبنان إذا لم تحصل على "الضمانات الأمنية" التي تطالب بها، محاولة تحويل المكاسب العسكرية وقائع جغرافية وسياسية دائمة، وفي الوقت نفسه، تستخدم واشنطن هذه الضغوط لدفع الدولة اللبنانية إلى تسريع تنفيذ التزاماتها، وفي مقدمها تثبيت احتكار الدولة للسلاح وتعزيز سلطتها في الجنوب.
وفي المقابل، تجد إيران نفسها أمام أكثر مراحلها حساسية منذ عقود؛ فهي تدرك أن الانجرار إلى حرب شاملة مع الولايات المتحدة قد تكون كلفتها باهظة، لكنها تدرك أيضاً أن خسارة موقعها في لبنان والمنطقة ستعني تراجعاً استراتيجياً كبيراً لمشروعها الإقليمي؛ لذلك يبدو أنها تتجه في هذه اللحظة الإقليمية إلى سياسة تقوم على تجنب المواجهة المباشرة، مع السعي إلى الحفاظ على الحد الأدنى من أوراق القوة التي تضمن بقاءها لاعباً مؤثراً في أي تسوية مقبلة.
أما لبنان، فيقف عند تقاطع هذه التحولات جميعها؛ فالسلطة اللبنانية مطالبة بإقناع المجتمع الدولي بأنها قادرة على بسط سيادة الدولة وتنفيذ التزاماتها الأمنية، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن أي معالجة متسرعة أو تصادمية لملف حزب الله قد تهدد الاستقرار الداخلي. ولذلك تبدو متمسكة بخيار التدرج، على أمل أن يوفر المسار التفاوضي مساحة زمنية تسمح بإمرار هذه المرحلة بأقل مقدار من الخسائر.
وتكتسب الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، المقررة في روما في الرابع من آب المقبل برعاية واشنطن، أهمية استثنائية، لأنها ستكون أول اختبار سياسي بعد تنفيذ المرحلة الأولى من المناطق التجريبية المنصوص عليها في الاتفاق الإطاري؛ فإذا نجحت، قد تفتح الباب أمام انسحابات إسرائيلية وترتيبات أمنية أوسع، أما إذا تعثرت، فقد تجد إسرائيل فيها مبرراً لتوسيع المنطقة الأمنية التي تسيطر عليها، بما يهدد بنسف الاتفاق وإعادة الجنوب إلى دائرة المواجهة المفتوحة.
لكن المشهد لا تحكمه الاعتبارات الإقليمية وحدها، بل تؤثر فيه أيضاً الحسابات الانتخابية. فترامب، الذي يستعد لاستحقاق انتخابي حساس، هو الانتخابات النصفية، يحتاج إلى ترسيخ صورته أمام الناخب الأميركي بوصفه الرئيس القادر على إعادة الهيبة للولايات المتحدة، وفرض معادلة "السلام من موقع القوة"، وتحقيق اختراقات في أكثر ملفات الشرق الأوسط تعقيداً. وفي المقابل، يخوض نتنياهو معركة لا تقل صعوبة، إذ يدرك أن مستقبله السياسي، وربما الشخصي، مرتبط بقدرته على إقناع الإسرائيليين بأنه حقق تحولاً استراتيجياً في أمن إسرائيل، وأن ما بعد الحرب ليس كما قبلها.
ولا يعني ذلك أن قرارات الرجلين تحكمها الحسابات الانتخابية وحدها، لكنها بلا شك تضيف عنصراً ضاغطاً يدفع كلاً منهما إلى السعي لتحقيق إنجازات ملموسة قبل الدخول في أي استحقاق انتخابي، أو على الأقل تجنب إخفاقات قد يستثمرها الخصوم في الداخل. ولذلك يصبح التصعيد أو التهدئة، والتفاوض أو استخدام القوة، أدوات تخدم في آن واحد أهداف السياسة الخارجية ومتطلبات السياسة الداخلية.
ومن هنا، فإن الخطأ الأكبر هو التعامل مع ما يجري في غزة أو الضفة الغربية أو جنوب لبنان باعتباره ملفات منفصلة؛ فهذه الساحات باتت أجزاء من لوحة واحدة عنوانها إعادة رسم الشرق الأوسط، وفي هذه اللوحة تتقاطع اعتبارات الأمن مع رهانات الانتخابات، ويتحول لبنان مختبراً لترتيبات أمنية جديدة، فيما تصبح الضفة الغربية ميداناً لتكريس وقائع سياسية وجغرافية، وتخوض إيران معركة الحفاظ على ما تبقى من نفوذها الإقليمي.
وعليه، فإن لقاء ترامب ـ نتنياهو الأخير لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره محطة ديبلوماسية عابرة، بل بوصفه مؤشراً إلى أن المنطقة دخلت مرحلة انتقالية كبرى، تتنافس فيها مشاريع إعادة تشكيل النظام الإقليمي مع حسابات صناديق الاقتراع في واشنطن وتل أبيب. وفي قلب هذا المشهد يقف لبنان، مرة جديدة، لا لاعباً رئيسياً في رسم الخرائط، بل الساحة التي تختبر عليها القوى الكبرى توازناتها وتسوياتها. ولذلك، فإن ما ستشهده الأسابيع المقبلة، من جولة روما إلى تطورات الضفة الغربية ومسار الضغوط على إيران، لن يحدد فقط مستقبل "الاتفاق الإطاري" أو مصير جنوب لبنان، بل قد يرسم أيضاً ملامح الشرق الأوسط الذي يتشكل على أنقاض توازنات العقود السابقة.

