ندى أندراوس - خاص الأفضل نيوز
لا يمكن فصل توافد الوفود الاقتصادية العربية إلى بيروت عن التحول السياسي الذي طرأ على نظرة العواصم العربية إلى لبنان. فاستئناف الصادرات اللبنانية إلى المملكة العربية السعودية، وزيارة وفد رجال الأعمال الإماراتي الكبير، والتحضير لوصول وفد من رجال الأعمال المصريين، ليست أحداثًا تجارية متفرقة، بل حلقات مترابطة في مسار يهدف إلى إعادة وصل لبنان بعمقه العربي، بعد أعوام من القطيعة وفقدان الثقة.
حمل القرار السعودي بإعادة فتح الأسواق أمام المنتجات اللبنانية، بعد حظر استمر نحو خمسة أعوام، أبعادًا تتجاوز إنقاذ قطاعات الزراعة والصناعة والتصدير. فقد جاء نتيجة اتصالات رسمية لبنانية، وبعد تعاون مع الفرق السعودية المختصة وتقديم ضمانات تتصل بضبط الصادرات ومكافحة التهريب، ولا سيما المخدرات، ومنع استغلال لبنان للإضرار بأمن المملكة.
وقد كشف ذلك أن الرياض بدأت تمنح الدولة اللبنانية رصيدًا سياسيًّا أوليًّا، استنادًا إلى ما تعتبره تقدمًا في إعادة بناء المؤسسات وتعزيز سلطتها. لكنه رصيد مشروط وقابل للزيادة أو التراجع، ولا يمثل عودة إلى مرحلة الدعم المالي المفتوح، بل انتقالًا إلى علاقة تقوم على الأفعال والنتائج.
وفي السياق نفسه، حملت زيارة الوفد الإماراتي، برئاسة وزير التجارة الخارجية ثاني بن أحمد الزيودي ومشاركة عشرات المستثمرين، رسالة سياسية واقتصادية واضحة.
فتعدد القطاعات التي شملتها اللقاءات، من التكنولوجيا والطاقة إلى الصناعة والزراعة والبنى التحتية والمصارف، يعكس اهتمامًا بإمكان تحويل لبنان إلى مساحة للشراكة، وربما إلى منصة اقتصادية تتصل بمشاريع أوسع في سوريا والعراق والمنطقة.
غير أن الحضور الإماراتي لا يعني أن الاستثمارات الكبرى باتت جاهزة. فالوفود تستكشف الفرص وتقيس المخاطر، فيما تنتظر أبو ظبي ترسخ الاستقرار وقيام بيئة قانونية ومالية تحمي الرساميل وتضمن استمرارية المشاريع. وبذلك تكون الزيارة إشارة ثقة أولية، لا تفويضًا اقتصاديًّا مفتوحًا.
أما الوفد المصري المرتقب، فيضيف بعدًا يتصل بإعادة الإعمار والتكامل الإقليمي. فالقاهرة تنظر إلى لبنان بوصفه سوقًا وشريكًا وجسرًا نحو المشرق، بما يفتح أمام الشركات المصرية مجالات في البناء والصناعة والزراعة والخدمات، ويتيح إقامة شراكات تتجاوز الحدود اللبنانية.
اقتصاديًّا، يمكن لهذه الحركة أن تنشط الصادرات، وتعيد فتح الأسواق العربية، وتجذب الرساميل، وتوفر فرص عمل. وسياسيًا، تشير إلى أن الدول العربية قررت اختبار قدرة العهد والحكومة على نقل لبنان من موقع الساحة المفتوحة للصراعات إلى موقع الدولة الشريكة.
غير أن ترميم الثقة يبقى مشروطًا بضبط الحدود، ومكافحة التهريب، وحصر القرار الأمني والعسكري بالدولة، وتنفيذ الإصلاحات المالية والمصرفية، وتفعيل القضاء، وحماية المستثمرين. كما يرتبط بإبعاد لبنان عن المحاور التي أفسدت علاقاته العربية.
لقد فُتح الباب العربي مجددًا، لكن العبور منه ليس مضمونًا، لأن استعادة الثقة لا تتوقف على الإصلاحات الاقتصادية والمالية وحدها، بل ترتبط أيضًا بقدرة الدولة على تثبيت الاستقرار، وبسط سلطتها على كامل أراضيها، وحصر السلاح والقرار الأمني والعسكري بمؤسساتها الشرعية. كما تبقى مشروطة بعدم السماح بتحويل لبنان إلى ساحة لصراعات المحاور، أو إلى منطلق سياسي أو أمني أو إعلامي للإضرار بالدول العربية وتهديد مصالحها. فإذا ثبّت لبنان مسار الدولة والإصلاح والسيادة، تحولت الوفود إلى استثمارات وشراكات مستدامة.
أما إذا عاد منطق التعطيل والارتهان وتعدد مراكز القرار، فقد تبقى الزيارات مجرد استطلاع لفرصة لم تنضج بعد.

