إلياس المرّ - خاصّ الأفضل نيوز
ليست نيويورك في هذه الأيام مجرد عاصمة دبلوماسية للعالم، ولا اجتماعات الأمم المتحدة مجرد منصة للخطب السياسية. خلف الأبواب المغلقة، تبدو ملفات الحرب والسلام والطاقة والنظام الدولي وكأنها تُربط بخيط واحد: واشنطن، بكين، وطهران.
وفي قلب المشهد، تأتي الزيارة الأولى للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة منذ أحد عشر عاماً، في صيغة زيارة دولة تحمل وزناً سياسياً ورمزياً استثنائياً، لكن الصورة الأكثر دلالة ربما كانت في اللحظة التي خرج فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لاستقبال شي شخصياً في المطار، في خطوة نادرة في البروتوكول الأميركي، أرادت واشنطن من خلالها إظهار فائض من الودّ في العلاقة مع الخصم الاستراتيجي الأكبر.
المشهد ليس بروتوكولياً فقط
الولايات المتحدة والصين تخوضان منذ سنوات صراعاً على التجارة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والمعادن النادرة والذكاء الاصطناعي، والأهم: على شكل النظام الدولي المقبل، وفي هذه اللحظة تحديداً، تأتي الحرب على إيران لتضيف إلى المنافسة الاستراتيجية سؤالاً أكثر إلحاحاً: ماذا لو تحولت حرب إقليمية إلى أزمة اقتصادية عالمية؟
هنا تصبح الصين لاعباً لا يستطيع أحد تجاهله.
بكين من أكبر المستوردين العالميين للنفط، وقد دخلت أزمة هرمز وهي تمتلك مخزونات استراتيجية كبيرة، فضلاً عن قدرة متزايدة على تنويع مصادر الطاقة وتقليص اعتماد اقتصادها على النفط، ومع ذلك، فإن استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز يبقى تهديداً مباشراً للاقتصاد العالمي، باعتبار المضيق ممراً حيوياً لنسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية.
وهنا تحديداً يمكن فهم أهمية الدور الصيني المحتمل
فالصين لا تحتاج بالضرورة إلى إعلان نفسها «وسيطاً» بين واشنطن وطهران كي تمارس تأثيراً فعلياً، يكفي أن تضغط باتجاه وقف التصعيد، وأن تدفع نحو إعادة فتح هرمز، وأن تساعد في إنتاج صيغة تحفظ المصالح الأساسية للأطراف، كي تتحول من متفرج على الأزمة إلى أحد صانعي مخرجها، لكن المفارقة الأكثر إثارة تكمن في مضمون الاتصالات الإيرانية ـ الأميركية المتداولة، فبدلاً من أن يبدأ النقاش من ملفات ما قبل الحرب — البرنامج النووي الإيراني، الصواريخ، والدور الإقليمي لطهران — بات جزء كبير من النقاش يدور حول نتائج الحرب نفسها: مضيق هرمز، الحصار، العقوبات، الملاحة، ووقف العمليات العسكرية، وهذا تحول جوهري في طبيعة التفاوض.
إنَّ إيران، وفق تقارير منشورة، أبدت استعداداً لإعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام إذا اتخذت واشنطن خطوات لتخفيف الضغط العسكري ورفع الحصار، فيما تحدثت تقارير أحدث عن خارطة طريق تتضمن وقفاً لإطلاق النار لمدة تصل إلى ستين يوماً وإعادة فتح المضيق بصورة تدريجية، على أن تلي ذلك مفاوضات أوسع.
إذا صحت هذه الصيغة، فنحن لا نتحدث بالضرورة عن «اتفاق نهائي»، بل عن هندسة هدنة يمكن أن تتحول لاحقاً إلى مسار تفاوضي أطول.
سبعة أيام لفتح الباب
ستون يوماً لاختبار النوايا، ثم تبدأ المعركة الأصعب: ماذا بعد؟
الاتفاق المؤقت أسهل دائماً من الاتفاق النهائي، وقف إطلاق النار يمكن أن ينجح بفعل إرهاق الأطراف، لكن التسوية الدائمة تحتاج إلى ضمانات وآليات تنفيذ وتفاهمات حول ملفات شديدة التعقيد.
ومن هنا تبدو القمة الأميركية ـ الصينية جزءاً من الصورة نفسها، لا حدثاً منفصلاً عنها، فواشنطن تحتاج إلى إدارة صراعها مع بكين، لكنها في الوقت ذاته تحتاج إلى ألا تنزلق حرب إيران إلى أزمة طاقة عالمية، وبكين تريد حماية اقتصادها ومصالحها النفطية، لكنها تدرك أيضاً أن استمرار الحرب قد يفتح مرحلة جديدة من الفوضى الجيوسياسية والاقتصادية.
أما طهران، فتبدو أمام اختبار مختلف: هل يمكن تحويل القدرة على تعطيل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم إلى ورقة تفاوض تقود إلى تسوية، أم أن استخدامها الطويل سيحوّل الورقة نفسها إلى عبء؟
إن ما يجري في نيويورك ليس مجرد اجتماعات على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، إنه تفاوض غير معلن على شكل المرحلة المقبلة.
بين واشنطن وبكين تُناقش حدود التنافس بين القوتين العظميين، وفي الخلفية، تُختبر إمكانية فتح نافذة بين واشنطن وطهران، وبين الاثنين يقف مضيق هرمز، كأنه مفتاح صغير لباب كبير اسمه الاقتصاد العالمي.
قد تبدأ التسوية بسبعة أيام، وقد تمتد إلى ستين يوماً، وقد تفشل قبل أن تولد، لكن المؤكد أن العالم دخل مرحلة لا تكفي فيها القوة العسكرية وحدها لصناعة الخواتيم.
العبرة الآن ليست بمن يربح الجولة، بل بمن يملك مفاتيح اليوم التالي.

