كريستال النوار - خاص الأفضل نيوز
في عالمٍ يُرمى فيه الطعام فيما يعاني آخرون من صعوبة تأمين وجبتهم اليومية، لا يعود هدر الغذاء مجرد سلوك عابر أو بقايا طعام تُلقى في سلة المهملات، بل يصبح قضية تمسّ الأمن الغذائي والاقتصاد والبيئة، وتكشف في الوقت نفسه الكثير عن عاداتنا اليومية وطريقة تعاملنا مع الطعام. وفي اليوم العالمي للتوعية بالفاقد والهدر الغذائي، تبرز الحاجة إلى التوقّف عند ما نهدره، ولماذا نهدره، وما الذي نخسره معه.
في هذا السياق، يوضح الأستاذ والباحث في علوم الغذاء د. حسين حسن، في حديث لموقع "الأفضل نيوز"، أنّ التفريق بين فاقد الطعام (Food Loss) وهدر الطعام (Food Waste) ضروري لفهم حجم المشكلة. ففاقد الطعام هو الانخفاض في كمية أو جودة الغذاء الذي يحدث في مراحل الإنتاج الأولى، مثل الحصاد والذبح والصيد ومراحل النقل والمعالجة والتخزين. أما هدر الطعام فهو التخلّص من الأغذية التي تكون صالحة للاستهلاك البشري ولكن يتم إهدارها في المراحل النهائية.
وتبدأ المشكلة أحياناً من المكان الذي يفترض أن يكون الأكثر حرصاً على الطعام، أي المنزل! فسوء التخزين، وخصوصاً عدم ضبط حرارة البرادات بالشكل الصحيح قد يؤدي إلى تلف المنتجات، وهي مشكلة لا تقتصر على المنازل، بل تطال أيضاً السوبرماركت والمطاعم، في ظل أزمة الكهرباء التي تؤثر على الجميع. ويضاف إلى ذلك نمط من السلوكيات اليومية التي تبدو بسيطة، لكنها تتراكم لتصنع كميات كبيرة من الهدر.
ومن أبرز هذه السلوكيات ثقافة الضيافة والكرم، وفق د. حسن، الذي يُضيف: "نميل أحياناً إلى وضع كميات تفوق حاجتنا على الموائد، في محاولة لإظهار الكرم أمام الضيوف. كما أن غياب الالتزام بوصفات محددة أثناء الطهي قد يؤدي إلى أخطاء في إعداد الطعام، وبالتالي إلى تلفه أو عدم القدرة على استهلاكه. وحتى عند التسوّق، نميل إلى شراء كميات تفوق حاجتنا، فتأتي لحظة تنتهي فيها مدة صلاحية بعض المنتجات قبل استهلاكها. كذلك، تؤدّي العروض والإعلانات دوراً في تشجيعنا على شراء أكثر مما نحتاج، فيما يدفع الخوف من المجهول البعض إلى شراء كميات كبيرة من الطعام بهدف المونة، من دون الانتباه إلى مدة صلاحية المنتجات وقدرة الأسرة الفعلية على استهلاكها".
وفي المطاعم، يقول د. حسن، تبدأ الحكاية بطريقة مختلفة، "فالمقبّلات التي تصل إلى المائدة قبل الطبق الرئيسي قد تجعلنا نشبع قبل وصوله، لتبقى كميات من الطعام من دون استهلاك. وإلى جانب ذلك، لا تزال ثقافة أخذ ما تبقّى من الطعام بعد طلبه غائبة إلى حد كبير، فيما يمكن لهذا السلوك البسيط أن يخفف من كميات الطعام التي ينتهي بها الأمر في مستودع النفايات".
أما في المتاجر، فيميل المستهلكون إلى اختيار الخضار والفواكه ذات الشكل المثالي، ويتركون الأصناف التي تعرّضت لضربة أو لا تتمتع بالمظهر نفسه، رغم أنها قد تكون صالحة للاستهلاك. ومع الوقت، يوضح د. حسن أنّ هذه المنتجات المتروكة تتحوّل إلى طعام مهدور. وتأتي الخضار والفواكه والألبان والأجبان في مقدمة الأصناف الأكثر عرضة للهدر، نظراً إلى قصر فترة صلاحيتها وسرعة تلفها.
لا تتوقف خسائر هدر الطعام عند حدود سلة المهملات. فوفق د. حسن، ترتبط المسألة مباشرةً بالأمن الغذائي، لأن هدر الفاقد والمهدر يعني تقليص كمية المنتجات المتاحة، وبالتالي تراجع توفّر الغذاء. ومع انخفاض العرض، يمكن أن ترتفع الأسعار وفق قانون العرض والطلب، ما ينعكس في نهاية المطاف على القدرة الشرائية للمواطن. أي أن الطعام الذي نهدره لا نخسره فقط كغذاء، بل نخسره أيضاً كمال وكمورد كان يمكن أن يساهم في تأمين احتياجاتنا.
أما البيئة، فتدفع بدورها ثمناً كبيراً. فعندما نهدر الطعام، فإننا لا نهدر المنتج وحده، بل نهدر أيضاً الموارد التي استُخدمت لإنتاجه، وفي مقدمتها المياه. ويشير د. حسن إلى أن كل كيلوغرام من التفاح يُهدر يقابله نحو 500 أو 750 لتراً من المياه تقريباً، فيما يصل الأمر إلى نحو 15 ألف لتر من المياه لكل كيلوغرام من اللحوم المهدرة. وعندما نرمي الغذاء، فإننا نهدر المياه التي استُخدمت في زراعته وإنتاجه وتصنيعه ونقله.
وتستمر المشكلة بعد وصول الطعام إلى النفايات. فالأغذية منتجات عضوية، وعندما تُكبّ في المطامر تتحلل وتنتج غاز الميثان، الذي يساهم في الاحتباس الحراري. وهكذا تتحوّل لقمة الطعام المهدرة إلى سلسلة طويلة من الخسائر، تبدأ من الموارد الطبيعية ولا تنتهي عند تأثيرها على المناخ.
في لبنان، تتداخل هذه العوامل مع ظروف اقتصادية ومعيشية صعبة. ووفق دراسات أُجريت في الجامعة اللبنانية الأميركية، فإنّ هدر الغذاء في بلدنا يرتبط بغياب الوعي وثقافة الكرم والضيافة، إضافة إلى أزمة الكهرباء. ويشير د. حسن إلى أنّ "الدراسات أكدت أنّ رفع مستوى الوعي يساهم في تخفيف هدر الغذاء، وهو ما تركّز عليه حملاتنا".
المفارقة أن الأزمة الاقتصادية الحالية تحمل وجهين متناقضين. فمن جهة، أدت الأسعار المرتفعة وتراجع القدرة الشرائية إلى افتراض أن الهدر يجب أن يتراجع، لأن الناس باتت أكثر حرصاً على ما تشتريه. ومن جهة أخرى، تساهم كلفة الكهرباء المرتفعة في زيادة الهدر، بعدما أصبح الحفاظ على الأغذية وتخزينها بالشكل الصحيح أكثر صعوبة وكلفة.
ويُسلّط د. حسن الضوء أيضاً على مشكلة أخرى، قائلاً: "ارتفاع أسعار المحروقات يضغط أيضاً على المزارعين والإنتاج الزراعي. ومع وجود كساد في الإنتاج نتيجة عدم استقبال الأسواق العربية لبعض المنتجات اللبنانية، تواجه البرادات الزراعية صعوبة في العمل بشكل مستمر بسبب أسعار الفيول. كما أن كلفة تشغيل الآبار المرتفعة تؤثر على قدرة المزارع على الري بالشكل الصحيح، ما ينعكس على جودة الإنتاج. وحتى عندما يكون الإنتاج جيداً، قد لا يتمكن المزارع من تخزينه بالشكل المناسب، فيتحوّل جزء منه إلى فاقد قبل أن يصل إلى المستهلك".
في النهاية، لا يحتاج الحد من هدر الطعام إلى حلول معقّدة بقدر ما يحتاج إلى تغيير في السلوك والوعي: أن نشتري بقدر حاجتنا، وأن نخزّن الطعام بطريقة صحيحة، وأن ننتبه إلى تواريخ الصلاحية، وأن نعيد النظر في مفهوم الكرم الذي يجعل المائدة أكبر من حاجتنا، وأن نتعلّم في المطاعم ثقافة أخذ ما تبقّى من طعامنا بدل تركه ليصبح جزءاً من النفايات.
فكل طعام لا نهدره يعني موارد أقل مهدورة، وكلفة أقل، وضغطاً أقل على البيئة، وفرصة أكبر للحفاظ على أمننا الغذائي. وفي بلدٍ يواجه أزمة معيشية واقتصادية متواصلة، قد تبدأ مواجهة الهدر من قرار صغير جداً وهو أن نضع في طبقنا ما نستطيع أن نأكله، لا أكثر.

