راما الجراح - خاص الأفضل نيوز
مع ساعات الاستيقاظ المبكرة، وسبع حصص دراسية يقضيها التلميذ في المدرسة، لا ينتهي يومه عند العودة إلى المنزل، بل تبدأ مرحلة جديدة من الوظائف ومراجعة الدروس والتحضير لليوم التالي. ومع الانتقال إلى التوقيت الشتوي وقِصر النهار، تتجدد التساؤلات حول قدرة التلاميذ على التوفيق بين متطلبات الدراسة وحقهم في الراحة والنوم واللعب، خصوصًا عندما تمتد الواجبات إلى ساعات المساء، فتتقلّص المساحة المتاحة للأنشطة العائلية والترفيهية.
وفي محاولة لرصد واقع الواجبات المدرسية داخل المنازل، أظهر استفتاء محدود أجريناه وشمل 45 أمًّا أن 37 منهن أكدن أن أبناءهن يعانون التعب والضغط نتيجة كثرة الوظائف المنزلية وضيق الوقت المتاح لإنجازها، أي ما نسبته 82.2% من المشاركات. في المقابل، أشارت الأمهات الثماني الأخريات، أي 17.8%، إلى أن أبناءهن يتلقون وظائف أقل، عازيات ذلك إلى صغر أعمارهم ووجودهم في مراحل دراسية مبكرة. وتطرح هذه النتائج تساؤلات حول مدى مراعاة حجم الواجبات للمرحلة العمرية للطالب، وضرورة تحقيق التوازن بين متطلبات التعلم وحاجته إلى الراحة، مع الإشارة إلى أن نتائج الاستفتاء تعبّر عن آراء المشاركات ولا تمثل بالضرورة جميع الأسر والمدارس.
وترى مدربة التحوّل التربوي أمل حيدر، في حديث خاص لـ«الأفضل نيوز»، أن المفكرة المدرسية تؤدي دورًا مهمًّا في تنظيم دراسة الطالب وتعويده على المسؤولية ومساعدة الأهل على متابعة تعلمه. وتؤكد أن الطالب الذي يتابع سبع حصص دراسية يكون قد بذل جهدًا خلال يومه، ويحتاج بعد عودته إلى وقت للدراسة، كما يحتاج إلى الراحة والحركة والجلوس مع أسرته. وتشير إلى أن قِصر النهار وحلول الظلام مبكرًا في الشتاء قد يجعلان تحقيق هذه الموازنة أكثر صعوبة، خصوصًا مع اختلاف الطلاب في سرعة الفهم والإنجاز. وتشدد على أن قيمة الواجب لا تُقاس بكميته، بل بما يضيفه إلى تعلم الطالب، إذ قد يكون تمرين مختار بعناية كافيًا لتثبيت فكرة أو الكشف عن صعوبة تحتاج إلى معالجة، بما ينسجم مع مفهوم التعلم ذي المعنى عند عالم النفس التربوي ديفيد أوزوبل، الذي يؤكد أهمية ربط المعرفة الجديدة بما يعرفه الطالب مسبقًا.
وفي المقابل، تلفت حيدر إلى أن المعلم غالبًا ما يكون أول من يتلقى اللوم عند تزايد الواجبات، رغم أنه لا يقرر وحده حجم المنهج أو عدد الحصص أو مواعيد الامتحانات، بل يعمل ضمن منظومة تتداخل فيها متطلبات المناهج والإدارة والإشراف والتقييم. وترى أن معالجة المشكلة تتطلب النظر إلى هذه العوامل مجتمعة، بدل تحميل المعلم وحده المسؤولية، مع توفير الدعم والمرونة اللازمين له. كما تشير إلى دور الأهل في تنظيم وقت الدراسة والمتابعة المنتظمة، موضحةً أن تراكم الوظائف ومحاولة إنجازها دفعة واحدة قد يحوّلان المساء إلى مساحة من التوتر، فيما يبقى التشجيع الهادئ ومساندة الطفل عاملين أساسيين في مساعدته على الإنجاز. وتؤكد أهمية مراعاة حاجة الطالب إلى النوم والحركة والراحة والعلاقات الأسرية، باعتبارها جوانب أساسية في نموه وقدرته على التعلم.
وتقدم التجارب الدولية نماذج مختلفة للتعامل مع هذه المسألة. ففي فرنسا، لا يجوز تكليف تلاميذ المرحلة الابتدائية بواجبات كتابية تُنجز خارج الصف، مع السماح بالقراءة والبحث الشفهي ومراجعة الدروس. كما أطلقت وزارة التعليم برنامج "Devoirs faits"، الذي يتيح لتلاميذ المرحلة المتوسطة وقتًا مخصّصًا داخل المدرسة لإنجاز الواجبات بمساعدة تربوية مجانية، بما يساعدهم على العمل في بيئة هادئة والحصول على الدعم عند الحاجة.
أما في بولندا، فقد دخلت تعديلات جديدة حيز التنفيذ في أيلول 2026، فقيّدت الواجبات العملية التقنية في الصفوف من الرابع إلى الثامن، وأكدت ضرورة تصحيح الواجبات الكتابية وتقديم ملاحظات للطلاب بشأنها، مع الإبقاء على طبيعتها غير الإلزامية وفق القواعد المعتمدة.
ومن جهة أخرى، تشير مراجعة الأدلة التربوية الصادرة عن مؤسسة الوقف التعليمي في إنجلترا (EEF) إلى أن الواجبات المنزلية يمكن أن تسهم إيجابيًّا في التعلم، وخصوصًا في المرحلة الثانوية، عندما ترتبط بما يتعلمه الطالب داخل الصف، وتكون أهدافها واضحة ويحصل الطالب على ملاحظات مفيدة بشأن أدائه. وتشير المراجعة أيضًا إلى أن جودة الواجب أهم من كميته، وأن أثره قد يتراجع عندما يزداد الوقت الذي يقضيه الطالب في إنجازه. وتؤكد هذه التجارب أن الحل لا يكمن بالضرورة في إلغاء الوظائف، بل في تنظيمها وتحديد أهدافها ومراعاة المرحلة العمرية، مع الاستفادة من النماذج التي تتناسب مع ظروف المدارس اللبنانية وإمكاناتها.
وفي البحث عن حلول عملية، تبرز أهمية التنسيق بين المعلمين لتوزيع الواجبات والامتحانات وتجنب تراكمها في يوم واحد، وتحديد تكليفات واضحة ومناسبة لعمر الطالب، وتقدير الوقت الفعلي اللازم لإنجازها. كذلك، يمكن تعزيز التدريب والتطبيق داخل الصف، واعتماد أوقات إرشادية للواجبات بحسب المرحلة التعليمية، وفتح قنوات تواصل بين المدرسة والأهل لمراجعة حجم التكليفات بصورة دورية. ومن المفيد أيضًا دراسة إمكان تخصيص فترات لإنجاز الوظائف داخل المدرسة، بإشراف تربوي، بما يتيح للطلاب الحصول على المساعدة اللازمة ويخفف الضغط عن بعض الأسر.
وفي ظل هذا النقاش، لا تبدو المسألة مجرد خلاف حول عدد الوظائف، بل قضية تتعلق بكيفية تنظيم العملية التعليمية بما يراعي احتياجات التلميذ وقدرته على التعلم. فالتوازن لا يعني إلغاء الواجبات المنزلية، بل جعلها أكثر فاعلية وملاءمة للوقت المتاح، مع توزيع المسؤوليات بين المدرسة والأسرة والجهات التربوية المعنية، وإعطاء المعلمين الدعم اللازم لتطبيق أساليب تعليمية أكثر مرونة. كما أن تقييم أي حل ينبغي أن يستند إلى متابعة أثره على فهم الطلاب ومستوى تحصيلهم ووقتهم المخصص للراحة، لا إلى عدد الواجبات وحده.

