رنا عبود - خاص الأفضل نيوز
عاد الوفد اللبناني من اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك بانطباع إيجابي، عكسه وزير المالية ياسين جابر بالحديث عن فرصة ثمينة أمام لبنان، لكنه شدّد في الوقت نفسه على أن الاهتمام الدولي لن يتحوّل تلقائياً إلى اتفاق نهائي أو دعم مالي واسع ما لم تُستكمل الإصلاحات المطلوبة. وبين الإشارات الإيجابية والهواجس التي لا تزال قائمة، برزت ثلاثة ملفات ستحدّد مسار المرحلة المقبلة: قانون الفجوة المالية، وإصلاح القطاع المصرفي، والإطار المالي المتوسط الأجل.
اهتمام دولي مشروط بالتقدّم
خلال الاجتماعات التي شارك فيها جابر ووزير الاقتصاد عامر البساط وحاكم مصرف لبنان كريم سعيد ورئيس لجنة الرقابة على المصارف مازن سويد، لمس الوفد تجاوباً من صندوق النقد والبنك الدولي والشركاء الأوروبيين. وأكد جابر أن التقدّم الذي حققه لبنان في المسار الإصلاحي عزّز الاهتمام الدولي، لكنه ربط الحفاظ على هذه الأجواء بإنجاز خطوات تشريعية وعملية، وفي مقدّمها استكمال الإصلاح المصرفي.
وفي هذا السياق، تتواصل المباحثات التقنية مع صندوق النقد أسبوعياً ولساعات طويلة، تمهيداً للتوصل إلى تفاهم بشأن الإجراءات المطلوبة، فيما تكتسب زيارة بعثة الصندوق المرتقبة إلى بيروت بين 9 و13 تشرين الثاني أهمية خاصة، باعتبارها محطة لتقييم التقدّم المحقّق في الملفات العالقة.
قانون الفجوة المالية في صدارة الأولويات
شكّل مشروع قانون الفجوة المالية أحد أبرز محاور النقاش، ولا سيما في ضوء العمل الذي أنجزته وزارة المالية ومصرف لبنان لمراجعته، بما يشمل آليات إعادة رسملة المصارف وتسوية أوضاعها، والتزامات الدولة تجاه مصرف لبنان، وإدارة السيولة المتاحة.
وبحسب المعطيات المتداولة عقب الاجتماعات، يتجه العمل إلى إعداد ملحق يتضمّن نتائج المراجعة وإرساله إلى مجلس النواب، بما يتيح تعديل المشروع خلال مناقشات اللجان النيابية، بدلاً من استرداده وإعادة إطلاق مساره الحكومي من البداية. إلا أن المشروع لا يزال بحاجة إلى نقاش وإقرار، ما يجعل التعاون بين الحكومة والبرلمان عاملاً أساسياً في تسريع الخطوات المقبلة.
طعن دستوري يثير الترقّب
أما قانون إصلاح أوضاع المصارف، فبقي موضع اهتمام وتحفّظ دوليين على خلفية الطعن الذي قدّمه رئيس الجمهورية جوزاف عون. وقدّم الوفد اللبناني توضيحات بشأن نطاق الطعن، مؤكداً أنه يطال المادة الثالثة المتعلقة بأهداف القانون، ولا يستهدف، وفق التفسير الذي عرضه، استقلالية الهيئة المصرفية العليا وصلاحياتها أو أدوات تسوية أوضاع المصارف.
لكن هذه التوضيحات لا تحسم المسألة، إذ يستطيع المجلس الدستوري، عند النظر في الطعن، مراجعة جوانب أخرى من القانون. لذلك يبقى القرار المنتظر عاملاً مؤثراً في تحديد مدى قدرة لبنان على المضي في إعادة هيكلة القطاع المصرفي، خصوصاً أن أي إبطال إضافي قد يستدعي معالجة تشريعية جديدة.
تمويلات تنموية وانفتاح إقليمي
بالتوازي، تناولت الاجتماعات مع البنك الدولي فرص تمويل مشاريع تدعم التعافي الاقتصادي والقطاع الخاص، من بينها قروض صغيرة للأسر لتركيب أنظمة الطاقة الشمسية، وصندوق ائتماني يوفّر تمويلاً ميسّراً للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة من دون تحميل الدولة ديوناً عامة جديدة. كما برزت أهمية تطوير الربط التجاري والنقل بين لبنان وسوريا والعراق، فيما أشار جابر إلى تقديرات دولية بإمكان تحقيق نمو إضافي لا يقل عن 2% لكل دولة من خلال تعزيز الانفتاح الإقليمي.
ثلاثة استحقاقات تحدّد المرحلة المقبلة
في المحصّلة، لم تنتج اجتماعات بانكوك اتفاقاً نهائياً مع صندوق النقد، لكنها أظهرت استعداداً دولياً لمواكبة لبنان إذا ترجم تعهّداته إلى خطوات ملموسة. ويبقى المسار مرتبطاً بتقدّم قانون الفجوة المالية، وقرار المجلس الدستوري بشأن قانون إصلاح المصارف، وإقرار الإطار المالي المتوسط الأجل.
وعليه، ستكون زيارة بعثة الصندوق المقبلة الاختبار العملي لنتائج اجتماعات بانكوك: فإما أن ينجح لبنان في تحويل الاهتمام الدولي إلى تقدّم إصلاحي قابل للقياس، أو أن تبقى الفرصة مفتوحة سياسياً، ومعلّقة اقتصادياً على قرارات لم تُحسم بعد.

