إلياس المرّ - خاصّ الأفضل نيوز
ليست تايوان مجرّد جزيرة في بحر الصين، ولا نزاعاً تاريخياً مؤجلاً بين بكين وتايبيه؛ إنها إحدى أهم نقاط الاشتباك في النظام الدولي، حيث تتقاطع السيادة بالتكنولوجيا، والاقتصاد بالقوة العسكرية، وطموحات الصين بحسابات الهيمنة الأميركية، والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت بكين تريد استعادة تايوان، بل متى، وبأي وسيلة، وما الثمن الذي قد يدفعه العالم إذا قررت تحويل إرادتها السياسية إلى واقع عسكري.
تعتبر الصين تايوان جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، وترى أن توحيدها يمثّل استكمالاً لوحدة الدولة واستعادةً لحق تاريخي لم تتخلَّ عنه بكين يوماً، أما الولايات المتحدة، فرغم عدم اعترافها بتايوان دولة مستقلة، فإنها ترفض تغيير وضع الجزيرة بالقوة، وتدعم قدراتها الدفاعية بموجب تشريعات وترتيبات أمنية وعسكرية، أبرزها قانون العلاقات مع تايوان، إلى جانب مبيعات الأسلحة والتعاون الدفاعي،
وهكذا، نشأ توازن بالغ الحساسية: الصين تتمسك بالسيادة، وواشنطن تسعى إلى منع فرضها بالقوة.
لكن ما يجعل تايوان استثنائية يتجاوز الجغرافيا والسياسة إلى التكنولوجيا؛ فالجزيرة تمثّل مركزاً محورياً في صناعة أشباه الموصلات المتقدمة، التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الفائقة، والاتصالات، والصناعات العسكرية، وتمنحها شركة «تي إس إم سي» موقعاً بالغ الأهمية في سلاسل التوريد العالمية، ولذلك، فإن السيطرة على تايوان أو تعطيل صناعتها الإلكترونية لن يكون حدثاً إقليمياً، بل صدمة اقتصادية وتكنولوجية قد تطاول الولايات المتحدة والصين وأوروبا والعالم بأسره.
بالنسبة إلى واشنطن، لا تتعلق المسألة بالدفاع عن جزيرة فحسب، بل بمنع بكين من كسر الطوق الاستراتيجي الأميركي في غرب المحيط الهادئ، واحتكار موقع تكنولوجي بالغ الحساسية، أما الصين، فتدرك أن استمرار الوضع الراهن يمنح الولايات المتحدة ورقة ضغط استراتيجية على مشروعها للتحول إلى قوة تكنولوجية مستقلة، غير أن الحرب قد تدمّر المصانع التي تشكّل جزءاً من القيمة الاستراتيجية لتايوان، وتعرّض الاقتصاد الصيني نفسه لخسائر هائلة.
هنا تبرز المقارنة مع روسيا، التي تسعى إلى استعادة نفوذها في المجال السوفياتي السابق، وترى في تمدد الغرب نحو جوارها تهديداً لأمنها ومكانتها. لكن التشابه لا يعني التطابق: فالصين تستند إلى مطالبتها التاريخية بتايوان، بينما تتفاوت أوضاع الجمهوريات السوفياتية السابقة قانونياً وسياسياً، ولا يمكن اختزالها في مشروع روسي موحّد لاستعادة الاتحاد السوفياتي. ومع ذلك، تكشف الحالتان عن اتجاه دولي خطير: القوى الكبرى باتت أكثر استعداداً لاستخدام القوة لمنع تراجع نفوذها أو فرض تصوراتها للأمن والسيادة.
أما توقيت المواجهة، فقد يكون عاملاً حاسماً، فالانشغال الأميركي بالحروب والأزمات المتعددة قد يغري بكين باختبار حدود الردع، لكنه قد يدفعها أيضاً إلى تجنّب مغامرة عسكرية غير مضمونة، وقد حذّرت تقديرات أميركية من أهمية عام 2027 بوصفه موعداً مستهدفاً لرفع جاهزية الجيش الصيني، لا موعداً مؤكداً لغزو تايوان، وتبقى الانتخابات التايوانية عام 2028، إلى جانب حسابات واشنطن وبكين، من العوامل التي قد تؤثر في مسار الأزمة.
يتوزّع الانشغال الأميركي بين جبهات متعددة، من المواجهة مع إيران واستنزاف الموارد العسكرية والذخائر، إلى دعم أوكرانيا وحماية المصالح الإسرائيلية وتأمين الممرات الاستراتيجية، وقد ترى بكين في هذا التشتّت فرصة لاختبار حدود القوة الأميركية والضغط على تايوان، خصوصاً إذا تراجعت قدرة واشنطن على إدارة جبهات متزامنة. فهل تستغل الصين لحظة الاستنزاف الأميركي لتغيير موازين القوى، أم أن سوء تقدير الحسابات قد يحوّل الأزمات المتفرقة إلى مواجهة دولية شاملة؟
إن الفترة الممتدة بين 2027 و2028 قد تشكّل منعطفاً استراتيجياً، لا لأن الحرب حتمية، بل لأن حسابات الردع قد تبلغ مرحلة الاختبار الأخطر، فإذا تزامنت أزمة تايوان مع مواجهة روسية ـ غربية متصاعدة، فقد يجد العالم نفسه أمام جبهتين مترابطتين تستنزفان القوى الكبرى وتوسّعان احتمالات التصعيد.
الحرب العالمية الثالثة لا تبدأ بالضرورة بإعلان رسمي؛ فقد تبدأ عندما يعتقد طرف أن خصمه منشغل، ويعتقد الطرف الآخر أن التراجع أخطر من المواجهة. وفي تايوان، حيث تتشابك السيادة مع الرقائق الإلكترونية والتوازن النووي، قد يتحول سوء تقدير واحد إلى شرارة تعيد رسم النظام الدولي، وتضع البشرية أمام مواجهة لا يضمن أحد حدودها أو نهايتها.

