هادي بو شعيا - خاصّ الأفضل نيوز
قبل عام من الآن، كان العالمُ يترقَّب بخوف وجزع زحفَ جيوش روسيا الجرارة نحو أوكرانيا، لتبدأ بعدها أعنفُ حربٍ عرفتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
واليوم، ما زال الرعبُ والفزع والخوف يسودُ المشهدَ مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لمحرقة حرب الروس والأوكران التي بدأت في 24 شباط/فبراير من العام 2022، والتي أسفرت عن سقوط آلاف الضحايا من الطرفين. بينما تدمَّرت مدنٌ أوكرانية وتغيّر الكثيرُ من جغرافيا البلاد، إثر إعلان الرئيس الروسيِّ فلاديمير بوتين ضمَّ أربعِ مقاطعاتٍ أوكرانية لروسيا.
وقبلَ مرور عام بأيام، يبرز خطابُ بوتين إلى الأمة الروسية، وفيه الكثير ممّا سيقوله ويترقّبه العالم بأسره، إثرَ تسريباتٍ وتحليلات تحدثت عن أنَّ "ستاتيكو" ما بعد الخطاب لن يكون إطلاقاً كما قبله! ذلك أنَّ المعطيات ستتغيّرُ والحرب الحقيقية، وفق منطق بوتين، ستبدأ. لأنه حتى اللحظة ما زال سيّد الكرملين يُطلِق على ما حدث "عملية عسكرية خاصة".
لكنَّ السنةَ الثانية التي ستشهدُ في بدايتها ما بات يُسمّى هجوم الربيع الكبير، قد تحملُ معها ما يضع حدًّا للحرب عبر إعلان منتصر ومهزوم أو ما قد يوسّع رقعتها ويزيد اشتعال أُوارِها، خصوصًا أنَّ الانقلاب في المشهد قد بدأ فعليًا بعد أشهر من الحديث عن تقدم للقوات الأوكرانية يقابله تقهقرٌ لقوات بوتين الذي اكتفى بمكاسبَ حققها في خلال الأشهر الأولى من الحرب.
أما اليوم، فقد بدأ الغربُ ذاته يعترف بتعقيد الوضع أكثر فأكثر، وبالخطر الذي يُحدق بالأوكران، حيث حذّر الاتحاد الأوروبيُّ من أنه، للمرة الأولى، لا تميل الكفةُ لصالح كييف.
بينما شدّدَ الرئيسُ الأوكرانيُّ فولودومير زيلينسكي على ضرورة إسراع الحلفاء بتزويد بلاده بأسلحة متطورة. ورغم توافق دول أوروبية والولايات المتحدة الأميركية على تشكيل حلف الدبابات لدعم كييف بها؛ إلا أنَّ عقباتٍ لوجستية وإشكالاتٍ بالتصنيع ما زالت تحول دون وصول دبابات ليوبارد 2 الألمانية إلى الجبهات الأمر الذي يهدّد بشقِّ صفّ حلف شمال الأطلسي "الناتو" وهو ما تراهن عليه روسيا، بحسب تصريحات رسمية أميركية قالت: "إنَّ بوتين يراهن على تضعضع الحلف".
في وقتٍ تعيشُ فيه دول الغرب أزماتٍ إقتصاديةً معطوفةً على مشاكل تصنيع أسلحة وذخائر، الأمر الذي اعترف به "الناتو" بأنَّ المعدل الحاليَّ لاستهلاك الذخيرة في أوكرانيا أعلى بكثير من معدلات إنتاج الحلف، ما يضع دوله تحت ضغوط كبيرة.
في المقابل، استطاعت روسيا، التي تحتاج كميّات هائلةً من الذخائر، تأمين احتياجاتها، بعدما وضع بوتين اقتصاد بلاده بالكامل في حالة حرب.
أما في شقّ التعداد العسكريّ، فإنَّ إفادةً رسمية عسكرية أكدت أمام البرلمان الأوروبيِّ أنَّ عدد الجنود الروس حاليًا يساوي ضعف ما كان عليه قبل الحرب، فضلاً عن القلاقل التي تحيط حاليًا بالوضع الأوكراني ميدانيًا.
يأتي ذلك بالتزامن مع جهوزية القوات الروسية لهجوم مضادّ واسع في وقت لا تتمتع أوكرانيا بأي أسبقية، سواء في العديد أو العتاد على الأرض. ولعلّ ما يزيد من أسباب تأخر دبابات "الناتو" لأوكرانيا: رفض دول أوروبا بالإضافة إلى أميركا تزويدَ كييف بالطائرات الحربية المقاتلة. وعلى الرغم من إعطاء فرنسا لزيلينسكي بصيصًا من الأمل، عاد رئيسها إيمانويل ماكرون ليتراجع عن كلامه بإمكانية تزويدِ أوكرانيا بالطائرات في حين بدأ التململ من الحرب يستشري أكثر فأكثر بين شعوب أوروبا. فبعد خروج مظاهرات في ألمانيا ناصرت فيها روسيا وبوتين، اندلعت مظاهرات مماثلة أشعلت شوارع فرنسا، مطالبةً بوقف دعم أوكرانيا وخروج فرنسا نهائيًا من حلف "الناتو" والاتحاد الأوروبيِّ اللذين يُديرهما، بحسب المتظاهرين، البيت الأبيض في الولايات المتحدة الأميركية.
يحدثُ ذلك كلّه، في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن نفاد مخزونات الأسلحة والذخيرة في الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. بعدما اضطرت العام الماضي إلى سحب كميات ضخمة من المخزونات المخصصة لقواتها بهدف مساعدة كييف.
وبالنظر إلى الظروف والتطورات.. كيف يمكن النظر إلى السيناريوات المتوقعة للحرب الروسية-الأوكرانية في مطلع عامها الثاني، خصوصًا في ظلِّ الحديث عن وضع بوتين مخططًا لهجوم شامل يُنهي به الحرب أو يُفجّر ما هو أوسع منها؟!
بداية، لا بُدَّ من النظر إلى الوضعِ الميدانيِّ الحالي على طول الجبهات، حيث يُعلنُ الروس، كما يُقرّ الأوكران والغرب، أنَّ الكفةَ تميل لجيش بوتين أكثر من أيِّ وقت مضى، خصوصًا في شرقيِّ البلاد، حيث تقول كييف أنَّ الموقف هناك لا يزال صعبًا جدًا مع استمرار تقدم القوات الروسية على طول خطِّ المواجهة.
بينما تعاني القواتُ الأوكرانية من نقصٍ حادٍّ في الذخيرة، ما يجعل روسيا تستعيد زمام المبادرة في ساحة الحرب. بعد أن استطاعت أوكرانيا، بمساعدة الغرب وحلف الناتو، من إحراز انتصارات ميدانية أجبرت القوات الروسية على الانسحاب من مدن كبرى مثل خاركيف وخيرسون.
لكن تبدو الحالُ مختلفةً اليوم، مع استمرار معاركَ طاحنةٍ شرقَ أوكرانيا، حيث تسيطر روسيا على مناطق واسعة وتسعى للسيطرة الكاملة عليها.
كلُّ ما تقدمَ يزيد من احتمالية قرب تحقق توقعات تقارير غربية تحدثت عن تحضيراتٍ روسية لشنِّ هجوم كبير جديد يهدف، بشكل رئيسيّ، لحسم معركة إقليم دونباس الذي يشكّلُ أحد الأهداف الرئيسية التي أعلنها بوتين، مع تحقيق جيشه السيطرة الكاملة على مدينة باخموت التي لا زالت ترزحُ تحت نيران الروس، منذ شهور، ما يشي بأنَّ الهجوم الروسيَّ الكبير المقبل في الربيع، لن يشتت جهود جيش بوتين الذي تعلم من درس نجاح أوكرانيا في طرد القوات الروسية من العاصمة، فضلاً عن الجنوب الشرقي والجنوب في مرحلة سابقة من الصراع، عبر تركيز بوتين على حسم معركة الشرق بالكامل وتوجيه ضربات حاسمة تجعل الشرق الأوكراني روسيًا إلى الأبد.
بيد أنَّ الغربَ ما زالَ حائرًا وتائهًا، ليس فقط لأن الحرب أرهقته اقتصاديًا، وأشعلت أزمة ذخيرة، وشقّت صفّ "الناتو"، بل لأن التصدي هذه المرة بعديد الأسلحة لهجوم بوتين المقبل في الربيع، وتطبيق خطة واشنطن بهجوم أوكراني معاكس يفاجئ الروس، قد يدفع بوتين في حال تسرّب إليه اليأس، ونفد صبره، إلى ما يخشاه كلُّ العالم من استخدام أسلحة نووية على مستوى تكتيكي وضيّق، خصوصًا مع إعلان المخابرات النرويجية أنَّ سفنَ الأسطول الشمالي الروسي، ولأول مرة منذ ثلاثين عامًا، تتوجه نحو البحر وعلى متنها أسلحة نووية تكتيكية.
كلُّ ذلك يزيد المخاوفَ مما قد يغيّر ليس وجه الحربِ فقط بل وجهَ العالم إلى الأبد!!!

