كمال ذبيان - خاص الأفضل نيوز
لم يوفّر هذا الانهيارُ الماليّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ، أيّ قطاعٍ في لبنان، أكان في المؤسّسات الرّسميّة، أو الخاصّة حيث تسبّب ارتفاع سعر صرف الليرة أمام الدولار، بتناقصِ القدرةِ الشّرائيّة لدى المواطنين، إذ فقدت العُملة الوطنيّة من قيمتها، ولم تعد الرّواتب الّتي هي بالليرة، تكفي لسدِّ الحاجات الضّروريّة، مع بلوغ نسبة الفقر نحو 95%، واستمرار الارتفاع الجنوني للدولار، والذي وصل إلى نحو 115 ألف ليرة للدولار الواحد، والذي وصل إلى نحو 200 ألف ليرة للدولار الواحد وربما إلى 300 ألف وأكثر ، وبات لبنان كفنزويلا أو اليونان والأرجنتين وغيرها من الدول التي مرّت بأزمات ماليّة واقتصاديّة واجتماعيّة.
ففي لبنان، ومع اعتماد "الدولرة" من قبل الحكومة ممثّلة بوزارتي المال والاقتصاد، وبات التّسعير الرّسمي بالدولار، لاسيّما المواد الغذائية، فإنّ الأوضاع الماليّة والاقتصاديّة والمعيشيّة تتّجه نحو مزيد من الأزمات، وستتأثّر قطاعات هي على تماس مباشر في حياة المواطنين كالغذاء والصّحة والتّربية والنّقل، إضافة إلى السّكن، حيث تراجع الدّخول إلى المستشفى كما زيارة الطّبيب، وعدم التّسجيل في المدارس حتّى الرسمية منها، وكذلك وقف استخدام السّيارة للتّنقل مع بلوغ سعر صرف صفيحة البنزين من عشرين ليترًا إلى حدود المليوني ليرة، وسيتصاعد السعر مع ارتفاع سعر صرف الدولار، حيث بات التّسعير على أساسه، في وقت يشهدُ النّفط هبوطًا في الأسعار عالميًا، حيث أثّر ارتفاع أسعار النقل على جميع المواد الغذائية، كما على الخدمات.
وظهر في القطاع الاستشفائي إقدام مستشفيات على إقفال أقسام فيها، وعن هجرة للأطباء بلغ 3500 طبيب بنسبة 25 إلى 30% من عدد الأطباء في لبنان، ورقم أعلى من الممرّضين والممرّضات، حيث العرض في الخارج كبير، والأجور مرتفعة، فقد أدّى ذلك إلى وفاة أحد الأطفال، لأنّ في المستشفى التي دخل إليها، لا يوجد طبيبٌ متخصّصٌ بجراحة القلب وهو ما أعلنه نقيب الأطبّاء أنطوان بخاش، وكذلك نقيب المستشفيات سليمان هارون، الذي أكّد على أنّ القطاع الصّحّي إلى مزيد من التّدهور وأمام ندرة الأطبّاء، فإنّ بعضهم لم يلتزم تعرفة نقابة الأطبّاء بأن يدفع المريض 25 دولارًا كمعاينة عند طبيب صحّة عامّة و30 دولارًا عند طبيب اختصاص، إذ إنّ فوضى التّسعير تسودُ القطاعَ الطّبّي والاستشفائيّ، كما في قطاعات أخرى، حيث تجري عمليّةُ استغلالٍ لصّحة المريض، وهي كانت قائمة قبل الأزمة الماليّة، ومازالت مستمرّة مع الفاتورة الصّحيّة الغالية في لبنان، الذي تعطّلت فيه المؤسّسات الضّامنة التّابعة للحكومة، كالصّندوق الوطنيّ للضّمان الاجتماعي، وتعاونية موظّفي الدّولة والطّبابة العسكريّة، إضافة إلى المستشفيات الحكوميّة التّابعة لوزارة الصّحّة، والتي لو تأمّنت إداراتٌ صالحةٌ وغير فاسدة فإنّ خدماتها ستكون جيّدة، وسيستفيد منها نحو نصف اللّبنانيين، وكان العدد ارتفع إلى نسبة متقدّمة، لو تمّ إقرار البطاقة الصّحيّة الموحّدة، إلّا أنّ المسؤولين اللّبنانيين، لم يركّزوا اهتمامهم على القطاع العام، فهم قدّموا الخاص، حيث كان الموظّفون يحصلون على منح تعليميّة كما الاستشفاء في مؤسّسات خاصة، على حساب خزينة الدولة، التي كانت تشغلُ القطاعَ الخاصَّ، دون التّقدّم بالمؤسّسات الرّسمية، إضافة إلى دعمها لما يسمّى بمدارس خاصّة مجانيّة أو نصف مجانيّة، حيث ذهبت الأموال في كثيرٍ من الأحيان إلى غير مكانها السّليم، وهو دعم المدرسة الرّسمية والجامعة الوطنيّة أي اللّبنانية.
هذا السّلوك الرّسمي، وأداء المسؤولين من وزراء على مدى عهود وعقود، ثمّ الدّور الغائب لمجلس النواب، هو ما أوصلَ لبنان إلى الكارثة التي يمرُّ بها، والّذي بدأَ يفقدُ دورَه في المنطقة، التي كان فيها الجامعة والمستشفى والمطبعة والصّحيفة والكتاب، ومساحة الحرّيّة، ورسالة حضاريّة إلى العالم في تعدّد الأديان فيه، حيث حوّلها زعماء لبنانيّون إلى صراعٍ واقتتالٍ بين الطّوائف والمذاهب.
من هنا، فإنّ هذا التّوصيفَ لواقع لبنان الحاليّ المُصاب بالانهيار، الذي أوقعه في حفرةٍ جعلته يحتاج لمن ينتشله منها، وإلى استعادته من جهنّم التي أوصله إليها حكّامُه على مدى 80 عامًا من الاستقلال، وذلك يكون باعتماده على دورِه الرّياديّ، وعلى تغييرٍ في نظامه وبنائه على أُسسٍ مدنيّةٍ، وتعزيز مؤسّساته، فيخرجُ من أزماتِه معافًى بإصلاحٍ حقيقيٍّ.

