ممتاز سليمان - خاصّ الأفضل نيوز.
إذا كان الشَّللُ الحاصل راهنًا على صعيد الشغور والمراوحة في المؤسسات الدستورية الحكومية في الدولة اللبنانية مرده إلى حالة الاستعصاء السياسي الناتج عن الانقسام الحادِّ في الآراء، والتوازي تقريبا في الأصوات في مجلس النواب بين الموالاة والمعارضة، الذي أفرزته الانتخابات النيابة الأخيرة والتي كان من أبرز تجلياتها انتخاب رئيس مجلس النواب ونائبه بشق الأنفس بأكثرية هشة لا تتجاوز ال 65 صوتا، بشفاعة عدم احتياج هذا الانتخاب لأكثرية موصوفة كما هو الحال في انتخابات رئيس الجمهورية الذي يستوجب عقد الدورة الأولى بأكثرية الثلثين الأمر المتعذر في ظل تعمق الخلاف بين مختلف المكونات السياسية التي جاهرت كلها بتطيير النصاب وعدم تأمينه في حال كان المرشح المرجح فوزه من الطرف الآخر.
هذا التعقيدُ الناجم عن صراع مكونات سياسية لا ترحم وطنا أو مواطنا بل تضع نصب عينيها مصالحها الطائفية والفئوية الضيقة، انعكس شللية وترهلا على سائر مؤسسات الدولة وأجهزتها بشكل طال كافة مناحي الحياة اليومية البسيطة بشكل سلبيٍّ جعل المواطن يكفر بدولته ووطنه.
ففي تعدادٍ بسيط للإدارات والمؤسسات الحكومية المقفلة نتيجة الإضراب غير المسبوق على صعيد الدولة وحتى العالم يتبين لنا حقيقة الانحدار السريع، فبدءا بمصلحة تسجيل السيارات والآليات المقفلة منذ حولي الستة أشهر مرورًا بالدوائر العقارية والمالية التي تعتبر الرافد الأول والشريان الرئيس في تغذية مالية الدولة مرورا بالإضراب المزاجيِّ لمختلف موظفي الإدارة العامة، كل ذلك يشي بالوصول إلى مرحلة اللادولة، أو الدولة العاجزة عن تأمين حتى طابع مالي بقيمة ألف ليرة لبنانية لإلصاقه على طلب مختار أو إفادة أمام دائرة رسمية.
فناهيك عن حقيقة أنَّ استمرار وجود الطابع المالي بحدِّ ذاته في الإدارة العامة في زمن العولمة والحوكمة والرقمنة يشكل نوعا بائسًا من الرجعية والتخلف، دفع حتى أكثر الدول تخلفًا لهجرته ونبذه، نجده في بلادنا لا يزال السيد والحاضر الأكبر في كل معاملة رسمية مهما كانت بسيطة، فمعاملة استخراج إخراج قيد فردي مثلا لا بد وأن تبدأ بطلب لدى مختار المحلة الذي لا بد وأن يمهره بما يعرف بطابع المختار المفقود حاليا، ومن ثم تنتقل المعاناة إلى دائرة النفوس - اذا كانت قد فكت إضرابها - فلا بد من الطوابع قبل كل شيء وإلا لا معاملة مهما كانت الحالة طارئة.
وهنا تبدأ رحلة البحث عن الطابع وكأنه لبن العصفور حتى صار ما يعرف بالواسطة هذه الأيام لدى النافذين يتحمور حول تأمين الطوابع.
ويبقى السؤال ماذا حصل لكي تفقد الطوابع من الأسواق؟
في الواقع إن وزارة المالية كانت تطبع بشكل اعتيادي كميات من الطوابع من فئات مختلفة وفق حاجة السوق منها، وكان يتمُّ توزيعها على المراكز المعتمدة، ولكن ما حصل منذ سنة تقريبا هو أنَّ تلك الكميات المعدة للتوزيع أصبحت تحتكر من قبل بعض الموظفين القيمين عليها ويتمُّ حصرها بأشخاص معينين ليتمَّ لاحقا بيعها في السوق بأسعار خيالية عن أسعارها الحقيقية لتحقيق أرباح كبرى.
والغريب أنَّ وزارة المالية التي لن يكون صعبا عليها كشف شبكات الاحتكار وتفكيكها لا تبدي رغبة أو إرادة في ذلك تاركة المواطن رهينة الإرباك والإذلال، وحتى على افتراض أنَّ الوزارة غير قادرة على قمع ظاهرة الاحتكار فهي لم تقدم على أي عمل من شأنه الحد من هذه الظاهرة وإنهائها بالرغم من سهولة ويسر الطرق إلى ذلك، أبرزها على الإطلاق الاستعاضة عن قيمة الطوابع بختم يفيد بقبض قيمتها المالية نقدا، كما تفعل مكاتب السجل العدلي منذ مدة.
في الخلاصة إنَّ الدولة التي لا تقدر على تأمين وحماية طابع مالي من الاحتكار، بالتأكيد ليست بالمعوَّل عليها في تأمين أبسط حقوق المواطن بل هي شر نذير في سوق المواطن والمجتمع ككل نحو الهاوية التي لا قيامة بعدها.

