هادي بو شعيا - خاصّ الأفضل نيوز
تعمّدت الإماراتُ العربيّة المتّحدة استقبالَ الرئيسِ السوري بشار الأسد بحفاوةٍ بالغةٍ موحيةً برغبتها ببعث رسائل في اتجاهات متعددة، للقاصي والدّاني، وكأنها أرادت القول بهذا الاستقبال اللافت، شكلاً ومضمونًا، أنّ زمن نهاية الحرب السّورية قد حانَ وزمنَ عودة سوريا إلى مقعدها في جامعة الدول العربية قد آن، وسط مؤشّرات عن قرب لقاء سعودي-سوري.
بدا واضحًا أنّها زيارةٌ رسميّة أُريدَ لها، عمدًا، أن تكون أمام عدسات الكاميرات العربية العالمية، فحضر رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان شخصيًا إلى المطار يستقبل ضيفه ومعه كبار الشّخصيات الإماراتيّة وأركان الدّولة في الإمارات.
هذا إن دلّ على شيءٍ إنّما يدلّ على مؤشر كبير على مستقبل التّعاون والرّسائل التي أرادت أبو ظبي الإبراق بها من خلال هذا الاستقبال الرسمي الحافل في ثاني زيارة للأسد إلى دولة الإمارات منذ اندلاع الحرب السّورية.
مما لا شكّ فيهِ أنّ الشّكل في هذه الزيارة ينطوي على رمزية كبيرة تمامًا كمضمونها وربما أكثر، خصوصًا أنه (أي الشكل) يأتي في ظل العقوبات الأميركية والغربية المستمرة على سوريا وعلى الأسد وقيادته والتي كانت أولى الرسائل إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة كما بالنسبة إلى بعض الدّول التي ما زالت متردّدة في سرعة الانفتاح على سوريا.
أما الرّسالة الثانية والأهم التي أرادت أبو ظبي بعثها في أكثر من إتجاه مفادها أن استئناف العلاقات العربية-السورية يجب أن يتزامن ويترافق مع الجهود المبذولة لتصغير المشاكل بين المملكة العربية السعودية وإيران من جهة، وبين تركيا والعرب من جهة ثانية، وسط صراع دولي يشتدّ ضراوةً ويتعمّق بين معسكرين اثنين: الصين وروسيا من جهة، والغرب ومن خلفه الولايات المتّحدة من جهة ثانية.
تجدرُ الإشارةُ هنا إلى أن الإمارات العربية المتّحدة لم تكن من بين الدّول التي تدخلت عسكريًا في الحرب السّورية للإطاحة بالأسد، بل على العكس تمامًا، حيث كانت إمارتا أبو ظبي ودبي، ومنذ سنوات طويلة، على علاقة مستمرّة مع القيادة السّورية. إذ وسّعتا إطار التّعاون وعملتا على تسريع الحلول السياسية كما ابقتا على بعض المساعدات غير المُعلنة لسوريا، فضلاً عن منعهما المعارضة السورية من العمل على أراضيها.
ذلك لأن الامارات كانت تدرك تمامًا أن إنهيار الوضع السّوري سيعزّز الفوضى وقد يأتي بجماعة "الإخوان المسلمين" إلى السّلطة، وهم أحد أعداء الامارات، فضلاً عن ذلك رأت أبو ظبي أن ابتعاد العرب من دمشق سيقوّي النّفوذ الإيراني على الأراضي السّورية على غرار ما حصل في كل من العراق واليمن ولبنان. إذ كانت أبو ظبي ولا زالت تعتبر أن تقليص التّواجد الإيراني في سوريا يتطلب توسيع الحضور العربي.
قد يكون صحيحًا أن الإمارات والبحرين كانتا في طليعة الدول العربية التي استأنفت العلاقات مع دمشق، بالإضافة طبعًا إلى دول لم تقطع علاقتها بها على غرار الجزائر والعراق ومصر.
كما لا يجب أن ننسى أن الفارق كان كبيرًا بين موقف الامارات وموقفَيْ كل من قطر والسعودية حيال سوريا ومقاتلِي المعارضة، لكن ما هو مؤكّد أن الإنفتاح الكبير الذي تشهدُه دمشق إنما يأتي في ظلّ متغيرات إقليميّة ودوليّة جذرية، ووسط تفاهمات إيرانية-خليجية تتعمّق شيئًا فشيئًا وبعد زيارة وزير الخارجيّة المصري سامح شكري إلى دمشق، ناهيك عن زيارة كبير المسؤولين الأمنيّين الإيرانيين علي شمخاني إلى أبو ظبي.
أمام ذلك كلّه، من غير المعروف تمامًا، ما إذا كانت الزيارة الرّسمية للأسد قد نُسّقت بين أبو ظبي والرياض، وما إذا كانت السعودية تريد تمامًا مثل هذه الاستقبالات الرسمية الحافلة للأسد قبل الحصول على تنازلات سياسية منه، لكن من الواضح، أن الإمارات أفادت حتمًا من الرياح الإيجابية بين طهران والرياض، وأصغت بدقة إلى التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان عن ضرورة الحوار مع دمشق، اختارت طريقًا مغايرة وربما أقصر نظرًا لاعتقادها السائد بوجوب عودة سوريا إلى أسرتها العربية وبالتالي عودة العرب إلى دمشق، بغضّ النظر عمّا إذا كان ذلك مشروطًا أم لا بخطوات إيجابية إزاء المعارضة السورية والدستور وما إلى ذلك... لا شك أن أبو ظبي ستكون في طليعة عواصم القرار والتأثير التي ستلعب دوريًا محوريًا وأساسيًا في الورشة الهائلة لإعادة الإعمار الكبيرة في سوريا.
إزاء ما تقدم، لا شك أن المصالح تحكم علاقات الدول أكثر من أي شيء آخر، خصوصًا أن تطوير العلاقات السورية والإيرانية مع الإمارات أتى بالرغم من تطبيع العلاقات مع إسرائيل. ذلك أن أبو ظبي تحتاج إلى توطيد علاقاتها مع دمشق وطهران بما ينسجم مع استراتيجية التّوازن الدقيق التي تعتمدها بين الإنفتاح على إسرائيل وتعزيز العلاقة مع المحور الآخر.
في المحصّلة، تشهدُ المنطقة تحولاتٍ كبرى ومفصليّة بدءًا بالتّوترات التي شابت العلاقات بين السّعودية والإمارات من جهة وحليفتهما التقليدية الولايات المتحدة الأميركية من جهة ثانية، مرورًا بتطوير العلاقات والصفقات بين الإمارات وبعض الدول الأوروبية وفي مقدمها فرنسا، وصولاً إلى نذر حرب عالمية ثالثة على وقع الحرب الأوكرانية، فضلاً عن توسيع حجم التبادل والتّحالف بين دول الخليج العربي والصين، ما جعل بكين الشريك التجاري الأكبر لعدد من هذه الدول. الأمر الذي يتطلب تعديل الكثير من الاستراتيجيات نظرًا للعلاقات الوطيدة بين كل من الصين وروسيا وسوريا، بانتظار ما ستؤول إليه الأزمات والحروب التي تعصف في العالم بُغية توظيف كل هذه العلاقات الناشئة في مصلحة الأمة العربية عموماً وسوريا على وجه التّحديد.

