يحيى الإمام - خاصّ الأفضل نيوز
أراد نتنياهو أن يخرجَ من مأزقه الداخلي بعدوان همجي قامت به الشرطة الإسرائيلية على المسجد الأقصى في شهر رمضان المبارك، ولكنه بدا كمن يستجير من الرمضاء بالنار ،ولا شك بأنَّ رهاناته بتصدير أزماته الداخلية المتلاحقة إلى القدس وقطاع غزة ستبوء بالفشل وسينتقل وسط التخبط والضياع وتصاعد وتيرة الصراع من هزيمة إلى أخرى.
وبعد ما حدث أمس من اجتماع مصغَّر لحكومة الأزمة الذي ترأسه نتنياهو لساعات طويلة امتدت حتى منتصف الليل، وجد نتنياهو المخرج بشنِّ عملية عسكرية على غزة، وقبل أن تظهر نتائج التحقيق بإطلاق الصواريخ التي انطلقت أمس الخميس من الجانب اللبناني سارع العدو إلى تحميل حركة حماس المسؤولية رغم أنَّ الإعلام الإسرائيلي أفاد بأنَّ إطلاق أكثر من ثلاثين صاروخاً من نوع كاتيوشا وغراد من جنوب لبنان لا يمكن أن يتمَّ بدون رضى حزب الله والتنسيق معه، وهذا يدل على عدم نية العدو بخوض مواجهة خارج الحدود لعجزه عن تقدير نتائجها وتحمّل تبعاتها في الوقت الراهن فيما لو طال أمد الحرب من ناحية، ولمعرفته بتنامي قدرات حزب الله الصاروخية ودخول محور المقاومة كله في المساندة والمساعدة فيما لو اختار المواجهة الشاملة من ناحية أخرى.
وعليه يمكن القول بأنَّ نتنياهو قد حسم أمره واختار المواجهة مع حماس في الداخل الفلسطيني بالإضافة إلى شنِّ غارات متكررة على أهداف إيرانية داخل الأراضي السورية على حدِّ تعبير المحلّلين الإسرائيليين أنفسهم.
ولقد كان الرد الفلسطيني عظيماً كعادته أصيلاً كطبيعته لا يبيت على ضيم ولا يسمح بكسر إرادة الشعب الفلسطيني الجبار، فعلى المستوى السياسي حطَّ المسؤول السياسي لحركة حماس في عاصمة الصمود والمقاومة بيروت واجتمع بالفصائل الفلسطينية على عجالة وقال: "ردنا على العدوان سيكون بالوحدة والمقاومة والارتباط الوثيق بعمقنا الاستراتيجي في محور المقاومة الذي يمثل الأمة كلها في هذا الصراع مع العدو الصهيوني الغاشم، ولن نسمحَ للعدو بأن يفرضَ أيةَ معادلات جديدة من خلال العدوان على الأقصى وترويع المصلين فيه"، وهذا يؤكد على (وحدة الساحات) وهي الاستراتيجية التي أربكت العدو الصهيوني في الماضي وأظهرت للمراقبين قوةَ المقاومة وعجز الاحتلال في الوقت عينه.
وأما استمرار العمليات الفدائية وآخرها عملية إطلاق النار عند مفرق جبع في شمال القدس المحتلة وإصابة جندي إسرائيلي بجروح وصفَت بأنها بين الخفيفة والمتوسطة على حدِّ زعم جيش الاحتلال والعدوان، وفي الوقت الذي تنهمر فيه الصواريخ على مستوطنة إسديروت وسائر مستوطنات غلاف غزة، وتصدي فصائل المقاومة كلها للطائرات المعادية بصواريخ أرض - جو، ليشكلُ تطوراً جديداً في عمليات المقاومة من ناحية ويؤكد استمرار عملية (سيف القدس) التي أوجعت العدوَّ سابقاً من ناحية أخرى، وكأن المقاومة تعيد وتكرّر خيارها الاستراتيجي المتلخص بالآية القرآنية الكريمة: (وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنمَ للكافرين حصيرا).
نعم إنها حرب إرادات والمقاومة التي لم تنكسر إرادتها ولا إرادة شعبها العظيم في جولات الصراع السابقة، تشعر اليومَ بأنها أكثرَ قوةً وصلابةً من أي وقت في الماضي، وتتسلح بعزم لا يلين في المواجهة متحصنةً بوحدة الشعب والفصائل أولاً، وبحلف قوي متين يمتدُّ من القدس إلى الصين ثانياً، وفي المقابل فإنَّ الظروفَ والمناخات الداخلية والدولية لا تخدم العدو في ارتكاب المزيد من حماقاته كما كان يفعل في الماضي للخروج من أزماته.
والمطلوب من الأمة اليوم أن تقف وقفةَ تضامن مع نفسها ومع أقصاها الذي يشكل عامل جمع وتوحيد لمكوناتها وأن تحشد طاقاتها واثقةً من قدرتها على الفعل لا أن تبقى في موقع ردة الفعل، لأنها دفعت ثمن التخلي عن قضاياها ومقدساتها دون أن تحصلَ على أي شيء من الوعود التي وعدت بها والإغراءات التي عرضت عليها.
نعم لقد أدركت كلُّ مكونات الأمة بأنَّ كلفةَ المقاومة والمواجهة أقل بكثير من كلفة الاستسلام، فليكن خيار نبيِّ الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم هو الجامع، حين قال عن الجامع الأقصى: (إن لم تستطيعوا أن تصلوا إليه فأرسلوا إليه زيتاً يضاءُ في قناديله)، لأن قضية الأمة اليوم هي تثبيت أهل القدس في القدس وحماية الهوية العربية لهذه المدينة المقدسة الحبيبة وعدم السماح بتهويدها وطمس هويتها الحضارية الأصيلة الثابتة كثبوت الجامع الأقصى إلى أقصى المكان وأقصى الزمان، والراسخة كرسوخ كنيسة القيامة إلى يوم القيامة..
وخلاصة القول: (إنَّ المقاومةَ الفلسطينيةَ وجدت لتبقى ولسوف تبقى، وإنَّ ما أخذَ بالقوةِ لا يُستردُّ بغير القوة) كما قال الرئيس العربي الخالد جمال عبد الناصر.

