كمال ذبيان- خاص الأفضل نيوز
ليست المرّة الأولى الّتي تُطلقُ صواريخ أو قذائف من جنوب لبنان، باتّجاه الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، وتحديدًا نحو مُستوطنات، أو مَرافق في الجليل الأعلى المحتلّ، القريب من الحدود اللّبنانيّة.
ولقد سبقَ، أن انطلقَت صواريخ من سهل القليلة بالقربِ من مخيّم الرّشيديّة للاجئين الفلسطينيّين المجاور لمدينة صور، بعد صدورِ القرار ١٧٠١ إثرَ العدوان الإسرائيليّ على لبنان صيف ٢٠٠٦، والذي أوقفَ الأعمالَ العسكريّة، ولم يُنهِ الصّراعَ مع الكيان الصّهيوني، وهذا ما حصلَ أيضًا قبل هذا العام، وكان الرّدّ الإسرائيليّ، أن حصل محدودًا للمكان الذي خرجت منه الصّواريخ، ولم يظهر أيّ تنظيمٍ أو فصلٍ فلسطينيّ ولبنانيّ، يتبنّى العمليّة، وهذا ما حصلَ أيضًا، خلال هذا الأسبوع، عندما تمّ إطلاق ٣٤ صاروخًا باتّجاه المستوطنات من منطقة القليلة، لكنّ العدوّ الإسرائيليّ وجّه أصابع الاتّهام نحو حركة "حماس" وهذه الحادثة تزامنت مع زيارة لرئيسِ مكتبها السّياسيّ اسماعيل هنية، مع الحدث العسكريّ، وثمّ ربطه بوصوله إلى لبنان، الذي جاءه، لحضور اجتماع للأُمناء العامّين للفصائل الفلسطينيّة.
وإطلاقُ الصّواريخ هذه المرّة، من السّاحل الجنوبيّ للبنان، عند حدود فلسطين، ترافق مع إطلاق صواريخ أيضًا باتجاه مُستوطنة المطلّة، عند الحدود مع مرجعيون وبلدة العديسة، حيث عثرَ الجيشُ اللّبنانيُّ على منصّتَي إطلاق الصّواريخ في سهل الخيام والقليلة، ممّا يؤكّد على أنّ ما جرى، لم يكن من صُنع "عناصر غير مُنظبطة"، أو "طابور خامس"، أو عُملاء قرّروا توريطَ لبنان في مواجهة غير محسوبة مع العدوّ الإسرائيليّ وعلى توقيتها.
فالعمليّة كانت مُنسّقة وفقَ ما تؤكّد معلومات لمصادر "محور المقاومة"، وهي رسالة إلى العدو الإسرائيلي عن "وحدة السّاحات"، وهي استراتيجيّة دفاعيّة لفصائل المقاومة من فلسطين إلى لبنان وسوريا والعراق وصولًا إلى فلسطين.
فلم تعد غزة تستفرد بالدّفاع ولا الضّفة الغربية، ولا لبنان أو سوريا، بل إنّ هذه السّاحات الثّلاث الّتي هي على اشتباك مع العدو الإسرائيلي، قرّرت أن تكون جبهة عسكريّة واحدة، من الجولان إلى جنوب لبنان وصولًا إلى غزة، ومساندة العراق وإيران، إذ يُشير خبيرٌ عسكريٌّ، إلى أنّ الدّعوة كانت دائمًا لقيام "الجبهة الشّرقيّة" بين سوريا والعراق، للإطباق على الكيان الصّهيوني، وتقوم إلى جانبها دول مُساندة، وقد أثبتت وحدة جبهَتي سوريا ومصر في الجولان وسيناء، أثناء حرب تشرين الأول ١٩٧٣، والتي كانت بتوقيت الدّولتين، كيف أنّ المعارك العسكريّة سارت نحو انتصار الجيشين في عبور "خطّ بارليف" من قبل الجيش المصري واستعادة القنيطرة من قبل الجيش السّوري، ودخل الجيش العراقي مساندًا للجيش السّوري، وتحرّك الجيش الأردني، وقطعت السّعوديّة بقيادة الملك فيصل بن سعود النّفط عن الغرب، فدخلت أميركا وأنقذَت إسرائيل من السّقوط.
فوحدة السّاحات، هي ترجمة لاستراتيجيّة عسكريّة، كادت أن تنتصر في حرب تشرين، وهي تحقّق تقدّمًا، في الحرب الوجوديّة مع الكيان الصّهيوني، الذي اعترف قادته، بأنّ الهزيمة محتّمة له، في ظلً "تآكل الردع" لدى "الدّولة العبريّة"، التي تعيشُ بدايةَ نهايتها من داخلها، في ظلّ الانقسام بين فئاتها، وتوقّع حصول حرب أهليّة فيها، حيث تتفكّك ساحتها، وتتوحّد ساحات المواجهة معها، من غزة إلى الضّفة، والأراضي الفلسطينيّة المحتلّة عام ١٩٤٨، إلى جنوب لبنان، الذي فيه المقاومة على جهوزيّة للدّخول إلى الجليل المحتلّ، وخوض اشتباكات مع العدو الصّهيوني، داخل فلسطين المحتلّة، إضافة إلى أنّ الجولان بدأ العمل فيه، لإنشاء خلايا نائمة للمقاومة، التي بدأت تغيّر مجرى التّاريخ، منذ التّحرير عام ٢٠٠٠، للجنوب، إلى انسحاب إسرائيل مُنفردة من ٢١ مستوطنة في محيط غزة، إلى ظهور المقاومة المسلّحة والمدنيّة في الضّفّة الغربيّة، حيث بدأت العمليّات اليوميّة، التي تهزّ أمن الكيان، الذي أراده أن يصلَ إلى باكستان.

