وفاء ناصر-خاصّ الأفضل نيوز
لطالما اعتبرت السياسةُ السّاحة الفنيّة مرتعًا لها تتحرك فيه على سجيتها وتتغلغل في تفاصيله لتنشر إيديولوجيتها القِيَمية والثقافية بما يخدم مصالحها السياسية والاقتصادية. وما انتهاج مفهوم العولمة بشقها الثقافي إلا تجسيد لحالة التّبعية الثّقافية وترسيخها في قالب مقبول عالميًا ومستساغ اجتماعيًا لتمرير رسائل إيديولوجية مرتكزة على واقع أنثروبولوجي قد يتعارض معها أو يجاريها الغاية، استند بشكل أساسي على الصورة في الافلام والسينما والاعلانات...
وقد استفادت الولايات المتّحدة الاميركيّة حينها من هذه الفورة لنشر ثقافاتها المادية وغير المادية في أنحاء المعمورة معمّقة بذلك هيمنتها السياسيّة- الاقتصاديّة على العالم، ما خلا بعض الدّول التي حاولت الحفاظ على هويتها الثقافية ودافعت عنها بكل ما أوتيت من قوة لحين انتصار العامل الزمني عليها وإخضاعها النسبي للنمط الثقافي العالمي الغربي الطابع.
ولعل أبرز مثل عن تغيّر الهوية الثقافية والانخراط في عالم الإنتاج الفني العالمي ما نراه في المسلسلات والأفلام والفن العربي، لا سيما تلك المخصّصة للعرض في شهر الرحمن دون أن تمتّ له غالبيتها بصِلة. ويعزى السبب في ذلك إلى تعمّد الأنظمة العربية المتموّلة تمرير رسائلها السياسية عبر الدراما التلفزيونية منذ ما يقرب العشرين سنة، وتحديدا تلك المتعلقة بالتّطبيع. وهذا ما لاحظناه في الدراما السورية مع باب الحارة، بعد نجاحه بأجزائه الثلاثة الأولى، وتأثر الجمهور الفلسطيني به نظرًا للضّجة التي أحدثها، إذ مرّر رسالة التطبيع في إطار فني، ما لبث أن اعتمد لاحقا في المسلسلات المصرية والخليجية.
صحيح أننا ننشدّ للصورة التي يقدّمها الإعلام الغربي والتّقنية التي يعتمدها وأسلوب الكتابة المحبوك بسيناريو مشوّق في تقديم الروايات بالإضافة إلى طريقة التمثيل. ونُولي أهمية لمساحة الحرية التي يتعمّد إرسالها لنا، بغضّ النظر عن مفهومه للحرية التي يريد إسقاطها على واقعنا عبر الإنتاج الفني لناحية تسليع المرأة وعري الأجساد وإباحة الجنس. غير أن الإعلامي والناقد الأدبي جهاد أيوب يأسف أننا نتغنى بالإنتاج الغربي في حين "عَجِزنا عن تقديم ما يوازي تطور المجتمع والفكر والعلم".
في الخمسينات حتى منتصف السبعينات كانت السلطة تمرّر رسائلها عبر المسرح الذي كان أداة للصوت. لكنه لم يستطع أن يحدث حالة فكرية وثقافية في العالم العربي حينها كونه كان جزءا من الواقع الثقافي. ويُشهَد للمسرح اللبناني تميّزه وتربّعه على المسرح العربي ككل. "حينما كانت الاخلاق تعمّ الانتاج الفني، كان لبنان الأول دراميا، وقبل الحرب الأهلية ١٩٧٥ باع لبنان ٦ آلاف ساعة درامية إلى الدول العربية". وبعده نمت الدراما المصريّة والسوريّة، ولاحقا الخليجية والتركية المدبلجة مستفيدة من انتشار الفضائيات وكثافتها، وبدا واضحًا استثمار النّظام السياسي لها.
لا تخلو الذاكرة الفنية العربية من أفلام ومسلسلات، في فترات سابقة، حَوَت مشاهد خادشة للحياء، فلماذا نلقي باللوم على الإعلام الغربي فقط متجاهلين هفواتنا وسقطاتنا الفنية؟
يشدّد أيوب على العلاقة التّكاملية بين السياسة والفن، ويربط ما حصل في تلك المرحلة بهزيمة جمال عبد الناصر "النكسة"، إذ طُلب من المخابرات المصرية حينها أن تزيد جرعات التقبيل والعلاقات الحميمية في السينما المصرية من أجل تخدير المجتمع العربي. وقد نجحوا بذلك. "ومعها بدأت الهزيمة".
ويعقّب أن ما يحدث فنيا هو عبارة عن مشروع أميركي صهيوني أعرابي بامتياز يخدم بقاء السلطة الحاكمة كما هي ويخدم تخدير المجتمع العربي من أجل عدم المطالبة بالقضية الفلسطينية ورفع صفة العدو عن الكيان الاسرائيلي. غير أن حماقة هذا الأخير، تعيد إنعاش الأذهان العربية والإسلامية بقضية إنسانية سامية مترفّعة عن سوقية بعض الإنتاج الفني وغاياته التّضليلية. فما حصل ويحصل من تعدٍ على المسجد الأقصى والمصلين فيه في شهر رمضان شحن الشارع العربي ضده رغم مضمون المسلسلات العربية.
ومن منبر الأفضل نيوز يطلب أيوب من وزير الإعلام الإيراني ومن المسؤولين عن الاتفاقية مع السعودية أن يعطوا مساحة لتسويق أعمالهم الدرامية في الدول العربية. لان الدراما الايرانية رغم طبيعتها المحافظة والمحدودية في طرح الفكرة إلا انها تقتحم الشارع العربي، بيد أن النظام العربي يرفض تسويقها في فضائياته.
وتزامنا مع الحدث الإقليمي البارز أي التقارب السعودي الإيراني، لجم الاتفاق بينهما الدراما الطائفية السياسية، غير أنه لم يحدّ من انتشار الدراما الإجتماعية المظلمة الجانب التي تدعو إلى الدم وتركز على تفكك الأسرة وكيّ الذاكرة بهدف إنهاء الهوية، مقلدة الإنتاج التركي ومن قبله الغربي، بل انتشرت على نطاق واسع.
الغاية إذًا تبرر الوسيلة، ولكن كيف يواجه الإعلام الممانع ذلك؟ وهل ينجح بذلك؟
يأسف أيوب لعدم تمكّن إعلام الممانعة من تقديم ما يريده المشاهد والرتابة التي يعتمدها في إبراز الحقيقة. ويعزي السبب في ذلك إلى ثلاثة عناصر: المادي- المالي، الفكري والأزمات والحروب. فالأزمات والحروب تلغي عنصر الإبداع وتشتت الأفكار من جهة، كما لا يمكن تقديم عمل منافس في ظل شح فكري ونقص مالي إنتاجي من جهة ثانية.
ويعتبر أن تقديم الحقيقة كما هي تصنع حروبا داخلية، لأن واقعنا أليم وتاريخنا السياسي والثقافي والديني مزوّر. ويصف إعلامه بالساذج وأعماله الدرامية بالضعيفة غير القادرة على المنافسة. لأن هذا الإعلام لا يؤمن بقدرة الفن والدراما والموسيقى والغناء والشعر والثقافة على صناعة أجيال، بل يؤمن حصرًا بمشروعه السياسي الذي بدوره يتطلب استراتيجية جديدة في السياسة وفي الإعلام.
وفيما يتعلق بموضوع المقاومة وتظهير هذه الفكرة، يشير الى أن التكرار في التقديم لا يزال قائما، وقد وصل إلى حد الإشباع. فلا بد من تناوله بطريقة ذكية عبر العمل على أبعاد درامية وفكرية غير مباشرة للحث عليها. إذ هناك فرق بين معالجة الحقائق في عمل وتقديم الحقيقة.
أما خطورة الاستمرار في هذه السذاجة، فتبرز نتائجها على المدى الزمني المنظور اجتماعيا، من خلال صناعة جيل مسطح ساذج غبي، يهتم بنفسه وبالماديات التي يستطيع الحصول عليها. جيل لا يكترث لمفهوم العائلة وخصوصية الاسرة، بل يمعن في الابتعاد عن القيم الاجتماعية مستسهلا الانصهار مع المنحى السلوكي غير الاخلاقي. لا يؤمن بخط المقاومة بل يصبح العدو وجهة نظر.
كما أن الفنان أو المخرج المستقبلي الذي ارتوى من هذه الدراما سيفتقر إلى الأيقونة او المثل الأعلى للتماهي به وبالتالي ننحو نحو مزيد من الانحطاط الفني.
لا يختلف اثنان في أن مرحلة الاحتلال العسكري لبسط الهيمنة الفكرية تلاشت إلى حد كبير وحلّ مكانها الاحتلال الثقافي والاقتصادي بقوة انسجاما مع مقتضيات العولمة والحداثة. إذ يكفي للهيمنة على شعب واستغلال خيراته، أن تصنع رجال دين يأتمرون بكلامك، أن تحيط نفسك بإعلاميين يشيدون بك ويطبلون لك، وأن تستعين بفنانين رخيصين يقدمون مستوى هابطا وسخيفا مقابل حفنة من المال.
ومع اقترابنا من مرحلة عالمية تتسم بتعدّد الاقطاب، لا بد من مجابهة الدول القوية ومقاومتها. وبما أن أقطابنا العربية والإسلامية مشتتة، لا بد من إيلاء الإقتصاد والثقافة والفكر والإعلام أهمية كبرى كي ننجح في استحقاق كيفية مخاطبة الجيل الجديد والتقرّب منه.


