ليديا أبو درغم – خاصّ الأفضل نيوز
منذ أن قرّرت دولة الإمارات العربية المتحدة إعادةَ افتتاح سفارتها في دمشق سنة 2018، و بعد خمس سنوات حافلة بالأحداث والتطورات والتبدلات السورية والإقليمية والدولية، وصولاً إلى حدث الزلزال السوري في السادس من شباط الماضي، وما تلاه من مواقف رسمية أو رسائل غزل متبادلة بين البلدين، بدأ الحديث عن قرب عودة العلاقات السعودية -السورية، وتُرجمت بزيارة وزير الخارجية السورية فيصل المقداد إلى السعودية.
"تصفيرُ المشاكل" الأمنية لدى وليِّ العهد السعوديِّ محمد بن سلمان سياسة سعودية واضحة، ومدخلها السعي لإنهاء حرب اليمن، وتبريد الجبهة المفتوحة مع طهران والتي تُوّجت بإعادة العلاقات الدبلوماسية بينهما، وبالتالي، فإنَّ سوريا هي جزء من هذه السياسة.
فبعد وصول محمد بن سلمان إلى سدّة الحكم في المملكة، بدأ بنهجٍ سعوديّ جديد في التعامل مع مجمل القضايا الداخليّة والخارجيّة. ومن أهم المتغيّرات التي أرستها رؤيته الاقتصادية الجديدة "2030" والتي تهدف في مضمونها إلى إحداث نقلة نوعيّة من اقتصاد يعتمد بشكل كبير على النفط ومشتقاته، إلى اقتصاد متنوّع يعتمد على السياحة الترفيهية خارج الإطار الديني، والصناعات المختلفة والتعليم.
والنهجُ الاقتصاديُّ السعوديُّ الجديد اعتبر أنَّ الاقتصاد المعتمد في سوريا منافساً له في قطاعات مختلفة وبالتالي فإنّ أي انعطافة سعودية نحو التسوية في سوريا ستأخذ بعين الاعتبار هذا التنافس الجديد.
إضافة الى ما سبق، فإنَّ الوضع العسكري والسياسي في اليمن، الذي يشكّل هاجساً أمنيّاً على رؤية 2030، سيحدّد أيضاً ماهيّة هذه الانعطافة السعودية المتوقّعة إلى سوريا خاصة على صعيد مكافحة الإرهاب ومكافحة تهريب المخدرات.
لذا إنّ محدّدات التوجّه السعودي الجديد تجاه سوريا تتضمّن بشكل أساسيٍّ عاملين رئيسييّن، ألا وهما العامل الاقتصاديُّ التنافسيّ، والعامل الأمنيّ والسياسيّ في اليمن وسوريا.
ومن المرجح رفع عقوبات الدول العربية عن سوريا في حال عادت الأخيرة إلى الحضن العربي، لكنَّ تأثير ذلك يبقى محدوداً إذا بقيت البلاد تحت تأثير العقوبات الغربية: فعملية التطبيع السياسيِّ والإقتصاديِّ تحتاج إذاً إلى تذليل عقبات قانونية، في ظلِّ العقوبات التي تفرضها واشنطن على الحكومات والمؤسسات التي يثبت تعاملها مع الدولة السورية، وهنا ينبري سؤال أمام السعوديين حول مدى استعدادهم وقدرتهم على تحدي العقوبات الأميركية المفروضة سواء على إيران أم سوريا، إذا قرّروا مستقبلاً تشريع أبواب التطبيع مع سوريا في كلِّ الإتجاهات؟ وبعد الإمارات والبحرين وسلطنة عمان، هل تكون خطوة استئناف الخدمات القنصلية السعودية مقدمة لإعادة افتتاح السفارة السعودية في دمشق وهل يعطي ذلك المشروعية لباقي الدول لاستئناف علاقاتها مع سوريا، مثل قطر والكويت والمغرب، التي كانت تربط قرار إعادة العلاقات بما يسمى "الإجماع العربي"؟.
فالحراك العربيُّ الذي تشهده المنطقة والمنتظر أن يتسارع على مسافة أسابيع قليلة من انعقاد القمة العربية في أيار المقبل، عزز التوقعات بأنَّ العودة السورية إلى المحيط العربيِّ باتت مسألة مؤكدة، وعزز بالتالي الرهانات لدى فريق الثامن من آذار بما يمثله اليوم على الساحة الداخلية اللبنانية، بأن تؤدي هذه العودة إلى تعويم معادلة "السين سين" القائمة على سوريا - السعودية، مع ما ترتبه في وجدان هذا الفريق من استعادة لحقبة كانت لدمشق فيها السيادة والوصاية الكاملة على القرار اللبناني. من المبكر القول بعد تقييم النتائج المحتملة للانفتاح العربي على سوريا وانعكاسه على الساحة اللبنانية، سيَّما وأنَّ الملفَّ اللبنانيَّ يأتي في المرتبة الأخيرة من سلم الأولويات العربية عموماً والسعودية على وجه الخصوص.


