هادي بو شعيا - خاصّ الأفضل نيوز
لطالما اجتذب موقع السودان الاستراتيجي المطلّ على البحر الأحمر وموارده الطبيعية الساعين إلى مصالح أو نفوذ في المنطقة. وتأتي الاستثمارات الروسية والإماراتية مثالاً على ذلك، إذ يستثمر البلدان في قطاع الموانئ، وفي التعدين والذهب، القطاع الذي تسيطر عليه بشكل كبير قوات الدعم السريع بقيادة نائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي".
بالعودة عامين من الزمن نجد أنه في العام 2021، نفّذ قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع دقلو معًا انقلابًا أطاح بالمدنيين من السلطة الانتقالية التي بدأت بين العسكر وقادة الحركة الاحتجاجية ضدَّ الرئيس السابق عمر البشير بعد سقوط الأخير في 2019،
لكن لكل منهما شبكة من العلاقات والحلفاء نسجاها منذ سنوات خلال توليهما مسؤوليات مختلفة حتى خلال حكم البشير، ولكلٍّ منهما موارده المالية الخاصة.
ويملك "حميدتي" ورقة اقتصادية قوية، إذ تدير قواته، بحسب مركز أبحاث المجلس الأوروبي حول العلاقات الخارجية، العديد من مناجم الذهب في السودان الذي يعتبر ثالث منتج للذهب في إفريقيا. وتؤكد الولايات المتحدة الأميركية أنَّ قوات "فاغنر" الروسية المسلحة والموجودة في دول إفريقية عدة مجاورة للسودان، تعمل مع قوات الدعم السريع في تلك المناجم. وتعدّ الإمارات أكبر مشتر للذهب المنتج بشكل رسمي في السودان.
رغم هذه الروابط بين الإمارات وحميدتي، يبدو أن أفضل وصف لموقف أبو ظبي من النزاع الحالي يتسم بالبراغماتية التي تصل إلى مستوى اللامبالاة. وإذا ما استمرت الحرب، فهذا ليس بالضرورة أمرًا سيئًا من وجهة نظر روسية أو حتى إماراتية.
ذلك أنَّ الوضع الحالي يتيح لدولة الإمارات الاحتفاظ بنفوذها، وهذا ما قد لا يكون متاحًا في ظلِّ وجود سلطة ذات هيكلية واضحة وجيش لا منازع له. ويسعى حميدتي منذ أن وصل إلى السلطة، إلى تعزيز علاقاته في المنطقة وحتى على المستوى الدولي.
في السودان، برز قبل ذلك بسبب دوره على رأس قوات الجنجويد في قمع المتمردين في دارفور، إلى جانب قوات عمر البشير. وتشير المعلومات إلى أنَّ كلاًّ من البرهان وحميدتي حاربا الحوثيين، عن طريق إرسالهما قوات للمشاركة في قوات التحالف بقيادة السعودية الداعم للحكومة في اليمن عام 2015 في محاولة لاستخدام مشاركة القائدين العسكريين بغية تعزيز صورتهما في المنطقة.
دوليًا، وجّه حميدتي الشكر لإيطاليا من خلال مقابلة تلفزيونية بعد نحو عام على انقلاب 2021، باعتبارها الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي تعاونت مع قواته لمدة عامين في التدريب من الناحية الفنية. وقد يكون اهتمام إيطاليا هذا متصلاً بنشأة حميدتي في إقليم دارفور في غرب البلاد المتاخم لدولتي ليبيا وتشاد، وهو يملك نفوذًا واسعًا في المنطقة، ما يفتح إمكانية التعاون معه في محاولة الحدّ من الهجرة غير النظامية عبر ساحل البحر المتوسط باتجاه إيطاليا وغيرها من الدول الأوروبية.
ويرى بعض الخبراء والمتابعين للملفِّ السوداني أن دقلو قد يحاول استغلال علاقته بدولة تشاد وسلطته في دارفور لتأمين خط إمداد لقواته في الحرب الحالية.
في المقابل، قد يعوّل البرهان على دعم دولي منبثق من تطبيع العلاقات مع إسرائيل، على ما أشارت وسائل إعلام إسرائيلية. وعقب انضمامه إلى "اتفاقات أبراهام"، حصل السودان على مساعدات مالية أميركية بعد أن ظلَّ لسنوات طويلة معزولاً من جانب المجتمع الدولي ومدرجًا على اللائحة الأميركية للدول الراعية للإرهاب.
وقد تكون هناك ورقة أخرى مصرية في يد البرهان الذي تخرّج من الكلية الحربية المصرية، ويمكن أن يسعى للحصول على دعم القاهرة، الجار الكبير والمؤثر. ذلك أنَّ بين مصر والسودان حدودًا بطول 1200 كلم، ونهرًا مشتركًا، ومخاوف أمنية متبادلة، خصوصًا أنه كانت هناك بالفعل تداعيات على مصر جرّاء الحرب، عندما أسرت قوات الدعم السريع عددًا من الجنود المصريين كانوا في تدريب مشترك مع القوات السودانية في قاعدة مروي في شمال البلاد.
فيما يبدو أنَّ وجود الجنود المصريين في مروي كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. حيث شعر حميدتي بالتهديد من مصر، لا سيّما بعد أن استضافت القاهرة قبل أسابيع حوارًا بين سياسيين مؤيدين للجيش.
ويتهم خبراء مصرَ بأنها حاولت إفشال التحوّل الديموقراطي في السودان، بينما كانت الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي ودول غربية وخليجية تدفع في اتجاه التوقيع على اتفاق لإعادة المدنيين إلى السلطة. وتبقى إثيوبيا، التي تبني سدّ النهضة على نهر النيل، من الدول التي يمكن أن يكون لها تأثير في النزاع، بحيث تعتبر القاهرة السدّ تهديدًا لمصدرها الرئيسي من المياه، بينما ترتبط إثيوبيا بعلاقات جيدة مع الجار السوداني وطرفيه المتنازعين، فضلاً عن تعويل الإثيوبيين على الجنرالات الذين سيشاركون في المفاوضات النهائية حول سد النهضة.
في المحصلة، وفي وقت يصرُّ فيه كلا الجانبين -البرهان وحميدتي ،على أنهما في طريقهما للحسم العسكري الذي يعتقد كثيرون من الخبراء العسكريين أنه سيكون معبَّدًا بجثث السودانيين وركام المنازل والمؤسسات والكثير من الدماء والدموع في بلد تقترب أسوأ كوابيسه بأن تتخذ الحرب فيه شكل السيناريو الليبي أو حتى السوري، حينها سيحسم لهب الحرب أمره بتمزيق السودان من أجل متصارعَيْن على السلطة!


