كمال ذبيان - خاص الأفضل نيوز
في زمنِ التّقارب العربيّ مع سوريا، لا سيّما من تلك الدول، التي تدخّلت فيها، وقطعت علاقاتها الدبلوماسيّة معها، وساهمت في إخراجها من جامعة الدول العربية، قبل ١٢ عامًا، فإنّها الآن، وبعضها قبل سنوات، يُعيد ما انقطع معها، كمثل إعادة دولة الإمارات العربية المتحدة فتح سفارتها في دمشق، وزيارة مسؤولين إمارتيين إليها، وتقديم المساعدات الإنسانيّة بعد الزّلزال الذي ضرب تركيا وسوريا، قبل نحو أقل من شهرين، فزار أبو ظبي الرئيس بشار الأسد، كما حلّ ضيفًا على عمان التي لم تقطع علاقاتها مع سوريا، كما فعلت السعودية وقطر والبحرين.
فبعدَ شغورِ مركز سوريا في جامعة الدول العربية، وعدم تحقيق أصحاب المُؤامرة ما قرّروه لسوريا، في إخراجها من "محور المقاومة"، وفرض حلّ سياسيّ عليها، يستلم الحكم فيها "الإخوان المسلمون"، فإنّ بعض الدول العربية، أعادت قراءتها للمشهد السّوري، وكان في مقدّمها الإمارات المتحدة، التي تناهض مشروع "الإخوان المسلمين" في المنطقة، وكذلك مصر التي تخوض حروبًا ضدّ "جماعة الإخوان" منذ عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر حتّى اليوم، وكانت سوريا من أكثر الدول أيضًا التي خاضت معارك ضدّ "الإخوان المسلمين" منذ منتصف السبعينات، وكانت أشدّ المعارك في مدينة حماه، وهذا ما كشف لمتابعي الوضع السّوري، أنّ النّظام السّوري، لا يواجه ما سمّي "ثورة" و "ربيع عربي"، أو دعوة لإصلاح النّظام، بل محاولة لاستيلاء "الإخوان المسلمين" على السّلطة، كما فعلوا في تونس ومصر وليبيا واليمن وفشلوا، وأدّت حركتهم إلى حروب داخليّة دامية.
فالوعي العربيّ بدأ يعود لأنظمة أرادت إسقاط النّظام، ومن أبرزها قطر وتركيا التي أعلنَ رئيسُها رجب طيب أردوغان، أنّه ينتظرُ اللّحظة الّتي يلتقي بها الرّئيس السّوري، وأنّ الدوحة لن تخرج عن الإطار العربي، الذي يُطالب بعودة سوريا إلى حضنها العربي، حيث تقدّم السّعودية الدّعوة لهذه العودة، تليها مصر، وباشرتها تونس، ولم تلتزم الجزائر والعراق بالمقاطعة، لا بل قامت الجزائر بتوجيه دعوة لسوريا لحضور القمّة العربيّة التي عقدت فيها، الدّورة السّابقة.
فثمّة إجماع عربيّ على عودة سوريا إلى مُحيطها، وهي لم تبتعد عنه، لكن قراءة قيادتها كانت مُتباينة عن بعض الأنظمة التي أقامت علاقات مع العدو الإسرائيلي، وأقاموا تطبيعًا معه، في وقت رفضت سوريا، أيّ سلام دون عودة الحقوق بأرضها في الجولان، ودعمها للحقّ الفلسطيني بكامل أرضه، واستعادة كلّ حقوقه بالعودة، والقدس عاصمة لدولته، حيث أدّت سياسة سوريا إلى ابتعادها عن "دول التّسويات الفارغة"، واقترابها من إيران كدولة داعمة للمقاومة، ولم تنصاع لمطالبتها بأن تفكَّ ارتباطها بعد والعودة إلى الحضن العربي.
لذلك فإنّ العرب عادوا إلى سوريا، وهي انفتحت على هذه الالتفاتة العربية، في سبيل وقف الحرب عليها، والدخول بالإعمار وعودة النّازحين، تبحث سقف تسوية سياسيّة داخليّة، لم ترفضها سوريا، وأجرت حوارات وشاركت في مؤتمرات، لإنهاء الأزمة فيها، التي فجّرتها أنظمة إقليميّة وأخرى دوليّة، ودعمت "قوى إرهابيّة" استقدمتها إلى سوريا، حيث وقفت أطراف لبنانيّة مع هذه الجماعات ضدّ النّظام السّوري، ولم يخفوا مواقفهم في دعم "الثّورة"، بالمال والسّلاح، كما في الأفراد أحيانًا، وفتحوا الأبواب للنّازحين وأكّدوا على بقائهم في لبنان، كي لا يقتلهم نظام الأسد في سوريا.
فأمام الانفتاح العربيّ على سوريا، فإنّ لبنان الذي لم يقطع علاقاته الدبلوماسيّة معها، كما طالب فريق ١٤ آذار، وطرد السّفير السّوري، ورفض أيّ اتصال مع القيادة السّوريّة التي راهنوا على سقوطها، كما أعلن رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع وحدّد زمانًا له، أو كما توقّع رئيس الحزب التّقدّمي الاشتراكي وليد جنبلاط أن يرى "جثّة عدوّه عند ضفّة النّهر"، أو في تصعيد سعد الحريري لمواقفه ضدّ الرئيس الأسد، الذي عرف الصّديق والحليف من الخصم في المحنة التي تمرّ بها سوريا، والتي تواجه حربًا كونيّةً، وهو مع ذلك لم يقفل الأبواب أمام لبنان، عندما طلب المساعدة من سوريا، بالكهرباء والنّفط والعبور منها إلى دول الأردن والعراق، والخليج، أو الاستجابة لتنظيم عودة النّازحين السّوريين، الذين تمنع دول أوروبية وأميركا والأمم المتحدة عودتهم.
إنّ لبنان المستمرّ بعلاقاته مع سوريا، عبر حلفاء لها، فإنّه في موقعٍ حرجٍ رسميًّا، فهل تبقى الحكومة في صمتها وعدم الحوار معه، أم أنّ الرئيس نجيب ميقاتي وهو الذي كان له مصالح في سوريا، يجرؤ على قول الحقيقة؟

