هادي بو شعيا - خاصّ الأفضل نيوز
تعكِفُ المملكة العربيّة السّعودية في الآونة الأخيرة على إعادةِ ترتيبِ علاقاتها مع لاعبين مهمّين في المنطقة. ففي آذار/ مارس الماضي التقىوزيرَا خارجيّة السّعودية وإيران في بكّين واتفقا برعاية نظيرهما الصّيني وانغ يي على إعادة العلاقات الدّبلوماسية بين بلديهما.
يأتي ذلك بعد سنواتٍ من القطيعة والخصومة اللتين استنزفتا المنطقة وكادت تداعياتها أن تفجّرَ الشرق الأوسط في ظلّ اصطفافٍ شرسٍومحموم لدولٍ دخلت عنوةً بين فكّي طهران والرياض.
وبعد أيامٍ من لقاء بكين، وجّه العاهلُ السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز دعوةً للرئيس الإيراني لزيارة الرياض، وقد أكّدت طهران الدّعوةالتي لاقت ترحيبًا من قبل الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي.
غير أن مسار التّطبيع الذي تقودُه الرياض وفق سياسة "تصفير المشاكل" مع دول الجوار لم يتوقّف عند المحطة الإيرانية، بحيث لُوحظ تراجعٌفي التوتر الذي ساد علاقات المملكة العربية السعودية مع سوريا، لا بل يزداد التّقارب بين البلدين بسرعةٍ ملفتة.
يُذكرُ أنه في منتصف شهر نيسان/أبريل الماضي زار وزيرُ الخارجيّة السّعودي فيصل بن فرحان دمشق لأول مرة منذ بداية الأزمة السوريةوالحرب الأهلية التي اندلعت في العام 2011. وقبل ذلك، بمدة قصيرة، زار وزير الخارجية السوري فيصل المقداد مدينة جدّة السعودية،وكانت تلك أيضا أول زيارة لوزير سوري إلى السعودية منذ نحو 12 عامًا.
وفي خطوةٍ أبعد من كل ما سبق، استقبلت الرياض ممثّلي السّلطة الفلسطينيّة ورئيسَها محمود عباس. وفي نفس الوقت كان هناك وفدٌ رفيعُالمستوى من حركة حماس وحسب صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، التي استندت في معلوماتها على فيديو يظهر فيه وفد حماس في مكة،فإن الوفد ضم ايضًا رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية.
بيدَ أنه لم يتمّ تأكيد الزيارة لا من جانب حماس ولا من جانب السعودية، لكن ما قيل عنها ملفت للنظر، خصوصًا أن المملكة كانت متّهمةبإهمال التّضامن العربي التقليدي مع الفلسطينيين لحساب قضايا استراتيجية أخرى من ضمنها تطبيع غير رسمي أو حتى رسمي محتملمع إسرائيل.
الجدير ذكره أنه على عكس دول أخرى في المنطقة على غرار الإمارات والبحرين، لم تمضِ المملكة العربية السعودية في مسار التوقيع علىاتفاقيات أبراهام التي سارع الكثير من المطبّلين إلى وصفها بـ"التاريخية" التي قادها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب والتي كانتترمي لوضع علاقات إسرائيل مع الدول العربية، ومن خلفها العالم العربي إن أمكن، في إطار جديد، وفي نفس الوقت كانت تهدف هذهالاتفاقيات إلى عزل إيران التي ترى فيها العديد من الدّول الموقّعة على الاتفاقيّات تهديدًا محتملاً، ما يستدعي احتواءها سياسيًا وعسكريًا.
لكن أسبابًا عديدة حالت دون توقيع الرّياض على مثل هذه الاتفاقية، ذلك أن المملكة تُعتَبر أهم دولة تقود الإسلام السني، ودفع التطبيع معإسرائيل بشكل علني إلى الأمام سيُعتبر مجازفة منها، خصوصًا في ظل وجود حكومة يمينيّة في إسرائيل تتبع نهجًا أكثر تشدّدًا تجاهالفلسطينيين، الأمر الذي أعطى دفعًا لخصوم وأعداء إسرائيل في المنطقة. الأمر الذي سينتج مقاومة من قبل العديد من الدول العربية علىغرار سوريا والجزائر وتونس، لمزيد من التّقدم مع إسرائيل.
بيد أن هكذا اعتبارات لم تثنِ المملكة العربية السعودية حتى حينه من ترتيب علاقاتها مع إسرائيل خلف الأبواب الموصدة، بما يتوافق مع روحاتفاقات أبراهام، ويأتي ذلك من خلال اتصالات غير رسمية على مستويات رفيعة أو من خلال ضمان حقوق الطيران لإسرائيل في أجواءالمملكة.
بين هذا وذاك، شكّلت التّوترات الأخيرة بين إسرائيل والفلسطينيين اختبارًا مهمًا للكثير من الدول العربية التي أبدت سُخطها وعدم ارتياحهاإزاء الاشتباكات التي وقعت بين قوات الأمن الإسرائيلية وفلسطينيين في الحرم القدسي. وقد أدانت المملكة العربية السعودية من بين دولأخرى تدخل الشرطة. كما تسبّبت أمور أخرى موجة من حال الاستياء مثل تصريحات وزير الماليّة الإسرائيلي يتسائيل سموتريتش، التيشكك فيها بالوجود التّاريخي للفلسطينيين كشعب مستقل بحد ذاته.
في المحصّلة، لا شك أن التّقارب السّعودي-الإيراني الذي يتزامن مع وجود حكومة إسرائيل تعتبر الأكثر تطرفًا في تاريخ الكيان الصهيونيالغاصب، مصحوبةً بتصريحات وإشارات وأفعال تعتبر مستفزة جدًا وتنعكس سلبًا على اتفاقيات أبراهام من الجانب العربي. صحيح أنهلم يتم إلغاؤها، ولكن زخمها تراجع بشكل واضح! وعلاوة على ذلك يبدو أن الرياض لا تسعى إلى أي تقارب محتمل مع إسرائيل في الوقتالراهن إنما تسعى إلى تحقيق أولويات أخرى، معبّدةً الطريق أمام خيارات أخرى قد تكون مفتوحة!

