كمال ذبيان - خاص الأفضل نيوز
اقتنعَت السّعوديّة بأنّ لها حلفاء حقيقيّين في لبنان، بل أصحاب مصالح معها، وأنّ الفترة التي اعتمدت فيها على الرئيس الشهيد رفيق الحريري، منذ نهاية السبعينات، حتّى اغتياله، ومن ثمّ مع نجله سعد الحريري، لم تكن على مستوى ما تمنّته المملكة، التي تعتبرُ أنّ "اتفاق الطّائف" الّذي رعته ودفعت بالنواب اللبنانيين، إلى إنجازه بعد حوالي ١٥ عامًا من الحرب الأهلية، هو إنجاز كبير حقّقته في لبنان، وكلّفت رفيق الحريري، بأن يتواصل مع الأطراف السّياسيّة والحزبيّة، لا سيما قادة الميليشيات وهم نبيه بري ووليد جنبلاط وإيلي حبيقة، الذين دعتهم سوريا، إلى لقاءات توصلت معهم إلى اتفاق ثلاثي، الذي عليه استند النواب للوصول إلى "اتفاق الطائف" وفي الاتفاقين كانت الرياض ودمشق طرفين أساسيين في العمل لإنهاء الحرب، وسعتا في مؤتمر جنيف ولوزان في العامين ١٩٨٧ و ١٩٨٤، لحلٍّ سياسيّ للأزمة اللبنانية في عهد الرئيس أمين الجميل، ولعب رفيق الحريري دور الوسيط السعودي في تلك المرحلة.
فانقلب حلفاء السّعودية على الاتفاقات من جنيف ولوزان إلى الاتفاق الثّلاثي ثمّ "اتفاق الطّائف"، وكان رأس حربة رئيس "حزب القوات اللبنانية" سمير جعجع، والرئيس أمين الجميل ، حيث كان يجري تعطيل الحلّ السّياسي ، إذ ثبتَ من يقدمون أنفسهم "حلفاء للسعودية" يعملون بمشيئة أميركا، التي تُملي عليهم القرارات، فوقف الجميل وجعجع حدّ "الاتفاق الثّلاثي" ولم يكن متحمّساً له جنبلاط الذي وافق عليه مرغماً، كما "اتفاق الطّائف"، الذي قبل به جعجع مُرغماً وجنبلاط متحفّظاً، لأن الطائفة الدّرزيّة لم تأخذ حقوقها في الاتفاق سوى ما قبل عن أن مجلس الشيوخ إذا أنشئ بعد إلغاء الطّائفيّة السياسية، يكون رئيسه درزياً، ليظهر فيما بعد أن الأورثوذكس وعدوا به.
من هنا ، فإنّ من يدّعون أنّهم حلفاء السعودية، التي اتّجهت شرقاً نحو الصين، ثمّ تقاربت مع سوريا، بما أربك كلًّا من جنبلاط وجعجع ورئيس حزب الكتائب سامي الجميل، فلم يقرأوا معها التحولات التي أجرتها السعودية، لجهة "تصغير المشكلة"، وتقديم الاقتصاد على الحرب، من أجل قيام "شرق أوسط اقتصادي"، ومنطقة خالية من الحروب، والتعاون مع إيران، والتقارب مع سوريا، حيث باشرت الرياض تطبيق رؤيتها السياسية والاقتصادية، التي وضعها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي طبّق إصلاحات في بلاده، وأبعد الفاسدين عن الحكم، واستردّ أموالاً هي للمملكة وشعبها، وهذا توجّه بدأ ينعكس إيجاباً على السعودية، والانفتاح على إيران، لتحقيق "الأمن في الخليج " والعودة إلى سوريا العروبة .
فلم يرق لمن يدّعي التّحالف مع السعودية، هذه السياسة الجديدة، فرفض العلاقات مع سوريا، التي وصف جعجع رئيسها "بالجثة السياسية"، وكان رفض "الاتفاق الثلاثي"، فاستقبل أكثر من مرّة المسؤول الأمني السّوري غازي كنعان في العام ١٩٩٢، وقام بواجب التّعزية بباسل الأسد في القرداحة في شباط ١٩٩٤، لكنه عاد وانقلب على الطائف مع مقاطعته للانتخابات النيابية عام ١٩٩٢، وكان حصل على حصته من النواب في التعيين، ووزراء في الحكومة بعد الطائف وسُمّي هو وزيرًا.
إذ يحمل جعجع أكثر من وجه سياسيّ، ويتقلّب في مواقفه دون قراءة الواقع السّياسي، فيعكس في مواقفه رغباته، وليس "الواقعية السياسية" التي يتحلّى بها في بعض الأحيان جنبلاط، لكنه أحياناً، تتقدّم "أحقاده" على ما يرى فيه قضية اغتيال والده كمال جنبلاط، "بأنه سامح ولم ييأس"، ويعقد النظام السوري الذي استفاد منه في أكثر مرحلة، لا سيما في "حرب الجبل"، وما بعد اتفاق الطائف حيث ساعدته سوريا ورئيسها حافظ الأسد، بأن يحصل على وزارة شؤون المهجرين، واستثنيت محافظة جبل لبنان، أن تكون دائرة واحدة، بل استمرّت موزّعة على الأقضية، في وقت طبّق فيه قانون الانتخاب في العام ١٩٩٢ على أن تكون المحافظات دوائر انتخابية.
فجنبلاط وجعجع، يرفضان علناً، ماتقوم به السعودية لجهة المصالحات "وصفر مشاكل"، وهي آسفة أن لا يُلاقيها حلفاؤها، في نهجها الذي سيُعيد الازدهار للبنان.

