عماد مرمل - خاص الأفضل نيوز
ما يحصل في لبنان يكاد يكون سورياليا وغير مسبوق: حاكم البنك المركزي والناظم لكلّ الشؤون المالية والنقدية والمتحكّم بمصائر المودعين وحائك التعاميم صار بالمعايير القانونيّة فارًّا من العدالة ومطلوبًا لها بعد صدور مذكّرة التّوقيف في حقه عن قاضية التحقيق الفرنسية.
ليس هذا فقط، بل هو أيضًا ملاحق قضائيًّا في عدد من الدول الأوروبية إلى جانب الملفّات العالقة لدى القضاء اللبناني، الأمر الذي يضعه بين فكّي كمّاشة ويحيله من "حاكم" إلى "محكوم" بعدم الأهلية للبقاء في موقعه.
لو أن البلد طبيعي، لكان يتوجب أن يتنحّى سلامة طوعًا وفورًا أو أن يُقال تلقائيًّا من قبل السلطة السياسية إذا كابر، وصولًا إلى ترك المسارات القضائيّة داخليًّا وخارجيًّا تصل إلى نهاياتها لتبرئته أو إدانته، ثمّ يبنى على الأحكام مقتضاها.
وبهذا المعنى، فإنّ استقالة سلامة أو إقالته لا تتوقفان فقط على صدور حكم مبرم في شأن التهم الموجهة إليه في لبنان وخارجه، إذ يكفي أن تكون هناك شبهات حوله حتّى يغدو بقاؤه في مركزه نافرًا، خصوصًا أنه يترأس أهم سلطة ماليّة في لبنان، وهو على تماس مباشر مع المؤسسات المصرفية الدولية.
لكن، وبما أنّ الاستثناء هو القاعدة في لبنان، فإن الرجل واصل مهمامه وواظب على الدوام في مكتبه كما لو أن شيئًا لم يحصل.
أما السلطة السياسية فتبدو مضطربة وحائرة بعد إصدار مذكرة توقيفه الفرنسية، فلا هي امتلكت شجاعة تنحيته عن مركزه على الفور ولا هي قادرة على تغطية بقائه بسهولة بعدما أصبح مطلوبًا.
وما زاد الأمر تعقيدًا استمرار الشغور في قصر بعبدا وغياب رئيس الجمهورية الذي يجب أن يكون شريكًا في اختيار هوية الحاكم الجديد، وكذلك وجود حكومة مستقيلة تتولى تصريف الأعمال وليس هناك توافق على أن من صلاحيتها الدستورية تعيين حاكم جديد.
وأضف إلى كلّ ذلك أنّ الرئيس نبيه بري لا يزال يرفض أن يحلّ النائب الأول للحاكم وسيم منصوري مكان سلامة في انتظار اختيار البديل، لأسباب عدة.
لكن أوساطًا مواكِبة لمسار قضية سلامة تشدّد على أنه لم يعد يصح أن يبقى الرجل في موقعه، بمعزل عما سيجري بعد ابتعاده وكيف سيتم ملء الفراغ، مشيرة إلى أن المسألة هي مبدئية ولا يجب إخضاعها إلى أي حسابات أخرى.
وتلفت الأوساط إلى أنه وبمعزل عن التباينات بين القوى الداخلية حيال مقاربة وضع سلامة والموقف منه، إلّا أن الأكيد أن استمراره في مهامه لم يعد جائزًا من الناحية الأخلاقية بالدرجة الأولى، "إذ من غير اللائق أن يكون شاغل حاكمية مصرف لبنان، التي تُعتبر إحدى المراكز الحيوية، شخص متّهم بجرائم مالية من النوع الثقيل ومطلوب توقيفه من القضاء الفرنسي."
ونبّهت الأوساط إلى أنه إذا لم تقرّر السلطات اللبنانية توقيف سلامة بعدما يتبلغ القضاء من الإنتربول الدولي مذكرة التوقيف الفرنسية الصادرة في حقه، أو إذا لم تلجأ بالحدّ الأدنى إلى إقالته، فإنها قد تصبح في مصاف "الدولة المارقة."
وفيما لا يستبعد البعض أن تكون مذكرة التوقيف الفرنسية جزءا من النزاع على النفوذ والمصالح مع الولايات المتحدة الأميركية التي كانت تمنح سلامة الحصانة والحماية، يستبعد آخرون في المقابل هذا التفسير، مشيرين إلى أن القضاء الفرنسي له ديناميته وآلياته المستندة إلى وقائع الملفات الموجودة في حوزته وبالتالي فإنه ليس جزءا من أدوات قصر الأليزيه في معاركه أو تسوياته، ولا يجب إسقاط التجربة اللبنانية على تلك الفرنسية.

