يحيى الإمام - خاصّ الأفضل نيوز
من أرضِ الكنانةِ جاء.. من عرين البطولات الذي ثارَ فيه الأسودُ على امتداد حقب التاريخ، من البلاد التي أنجبت أحمد عُرابي وسعد زغلول وجمال عبد الناصر وسعد الدين الشاذلي، جاء هذا الفدائي البطل بعد انقطاع طويل ليذكّرَنا بالشهيد سليمان خاطر والشهيد أحمد الدقامسة..
أبى أن يبيتَ على الضَّيم وأن يقبلَ بالذّلِّ، فطارد جنودَ الاحتلال الذين دخلوا خلسةً إلى بلاده لترويج المخدرات وقتل ثلاثةً منهم وأصاب الرابعَ بجروح خطيرة ، دخل من معبر العوجة وتوغلَ في أرض فلسطين إلى مسافة ألفٍ وخمسماية مترٍ حسب رواية العدو لكي يقومَ بواجبه المقدّس وينفذ عمليته البطوليةَ ويرفع رؤوسَنا جميعاً وهو يذود عن حمى وطنه ويدفع الخطر عن شعبه .
لم يتوانَ لحظةً أو يفكر بمباهج الدنيا ومغرياتها وهو يعلم جيداً بأنه لن يعودَ إلا شهيداً، ولم يتذكّر أبداً أنَّ اتفاقيةَ كامب ديفيد التي أبرمها السادات مع بيغن برعاية أمريكية عام ١٩٧٩، أي منذ أربعةٍ وأربعين عاماً، والتي قسمت سيناء إلى ثلاث مناطق مختلفة بحيث تكون المنطقة ج التي انطلق منها الشهيد منزوعةَ السلاح والآليات، وهذه الاتفاقية إنما تعدلت في العام ٢٠٢١، أي منذ سنتين، وباتفاق الطرفين فسمحت إسرائيل فيها بتواجد السلاح والآليات والعتاد الحربي من أجل ما يسمّيه العدو " ملاحقة الإرهاب" المتمثل بالمقاومة الفلسطينية حصرًا ومنع تهريب السلاح، ولم تعدّل من أجل مطاردة جنود الاحتلال ولو ثبت تورّطهم بما يخلّ بالأمن القومي المصري ودخولهم إلى الأرض المصرية خلسةً ودون تصريح.
لقد أثبتت هذه العملية النوعية عنفوانَ الجندي المصري وبسالتَه وإقدامَه كمثال لكل ضابط وعنصر في الجيشين الثاني والثالث المصريين، وأكد انه جندي من خير أجناد الأرض كما وصفه النبيُّ العربيُّ الذي لا ينطقُ عن الهوى، مثلما أثبتت أنَّ الشَّعب العربيَّ في مصر لا يزال يرفض التطبيعَ مع العدو لأن كلَّ أسرة في مصر الكنانة تعلق صورة شهيد على جدار غرفة الاستقبال لكي يبقى نبراساً للأجيال وقدوةً ومثالاً يُحتذى به، والشهيد سليمان خاطر الذي قتل سبعةً من جنود الصهاينة منذ سبعةٍ وثلاثين عاماً لأنه رآهم يمسحون أحذيتهم بعلم بلاده كانت شهادته بعد اتفاقية كامب ديفيد بسبع سنوات، والشهيد أحمد الدّقامسة الذي كان يصلي وكان الوفد السياحي الإسرائيلي يسخر من صلاته ودينه ويقعدون على رقبته أثناء السجود بقصد الإهانة، أنهى صلاته بالسلام على الملائكة لا بالسلام عليهم، وأنهى حياتهم لأجل كرامة أمةٍ هي خير أمّة أخرجت للناس، وكان ذلك بعد اتفاقية العقبة.
هذه العملية العظيمة أثبتت لكل حرٍّ عربيٍّ وقاحة العدو وصلفه حين رفض روايةَ الجيش المصري وتحدث عن روايات متناقضة متضاربة في إعلامه الذي اعتاد العالم بأسره على تضليله وتدليسه وقلبه للحقائق، وحين راحَ يطالب مصر الأبيّة البهية بتشكيل لجنة تحقيق مشتركة بالحادث وكأنه حادث فردي ولا يعني سيادةَ بلد وكرامةَ أمة.
وقد أظهرت العملية، حسب كلام العدو لا غيره، ضعف جهاز المخابرات وحرس الحدود وإمكانية اختراقه بسهولة، فأقنع معنا المستوطن الإسرائيلي على امتداد خارطة فلسطين الحبيبة بأنَّ إسرائيلَ " أوهنُ من بيت العنكبوت ".
وأما على المستوى العربي فمن حق كل حرٍّ عربيّ أن يعتبَ، على الأقل، على إعلامنا الذي لم يذكر اسمَ الشهيد حتى، ولم يبارك ثورته وعنفوانه وشموخَه وإباءه ولو بحيّز بسيط، ولم يصوّر لنا فخر أبيه الذي ربّاه حرًّا شريفاً باسلاً مقداماً، ولا زَهوَ أمّه التي أرضعته لبن الكرامة وداعبت وجهَه الأسمرَ البسامَ كسُمرةِ وجه عبدِ الناصر الخالد في الذاكرة والوجدان رغمَ أن هذا الفارسَ العربيَّ القادمَ إلينا من زمن الشموخ والإباء والكبرياء قد مسح العارَ عن جبين أمتِه في زمن انقطاع البطولات، وأتذكّر في هذا المقام قولَ سيّدِنا الفاروقِ عمرِ بنِ الخَطّاب للصحابي الجليل الذي أعيا المشركين بعنفوانه وثباته ورباطة جأشه وقوة حجّته حتى أرادَ مليكُهم أن يُذِلّه فطلب منه تقبيلَ رأسه لقاء إطلاق أسرى المسلمينَ ففعل، وحين وصل بالأسرى إلى أمير المؤمنين عند صلاة الفجر وسمع الفاروقُ منهم عن صنيعه وفِدائه ، قال رضوان الله عليه لكلِّ المتواجدين في المسجد : ( حَقٌ على كلِّ مسلمٍ أن يُقبِّلَ رأسَ عبدِ اللهِ بنِ حُذافة)...
نعم ، واليومَ حقٌ على كلِّ حُرٍّ عربيٍّ ومسلم أن يفخرَ بهذا الشهيد البطل وأن يُكَرمه وهو ليس بحاجةٍ إلى التكريم لأنَّ الله سبحانه قد أكرمَه بالشهادة.

