هنادي السمرا - خاص الأفضل نيوز
وكأنه كُتب على هذا البلد الصغير لبنان ان يبقى غارقاً في اتونِ الصراعات والانقسامات،
وكأن كلَّ التضحياتِ والتجارب المرّة التي طبعت تاريخَه للحفاظ على كيانه موحداً لا تكفي ، فهناك من يغامر بمصيره ويقامر بمصالحه العليا، ولو كان كل فريق له وجهة نظره في اسلوب الدفاع عن هويته.
حيث لا يزال البعض يلهث وراء مسميات تختلف بين الفدرالية واللامركزية على قاعدة إيجاد الحل في تهالك البنيان، (مع قناعتنا بان هدف هؤلاء ليس بالتأكيد تطبيق اتفاق الطائف لأنهم لا يعترفون به أصلاً ).
فالفيدرالية المنشودة هي في الحقيقة تحمل في طياتها خطراً واحداً وهو التقسيم المبطّن تحت عنوان فدرالية الطوائف على أمل ان تحتفظَ كلُّ طائفةٍ بمكتسباتها او صلاحياتها- دستوريةً كانت أم سياسيةً او اقتصادية.
فعن اي مكتسبات يتكلمون ولبنان على شفير الانهيار الشامل؟ وهل بعد تقاسم الجبنة والمغانم يريدون ان يهدموا اخر مدماك في بنيان الوطن.؟
وهل مشكلة البلد اليوم ومروره في أقسى ازمة في تاريخه هي في التعايش الوطني او في التقسيمات الإدارية؟
ام هي ازمة حكم وأزمة نظام، كنتيجةٍ لتقوقع البعض وراء أفكار ومحاولات لم تؤدي إلا إلى مزيد من التفكك والتشرذم.
وماذا سيتقاسمون؟ وعلى أي أمر يتصارعون؟ أَعَلى الخراب في المؤسسات؟ أم على الانهيار المالي؟ أم على أموال المودعين؟ أو على العتمة وروائح المولدات؟؟...
واذا كانت ذريعة المنادين بالفدرالية ان الجيش سيبقى جيش الوطن الموحد، وأن النشيد الوطني سيبقى هو نفسه، ومساحة لبنان ستبقى كما هي ١٠٤٥٢ كلم ، في محاولة يصفها المعارضون بالمشبوهة للتعتيم عن الحقيقة المرة، يتبادر الى الاذهان السؤال التالي : أليس الخلاف داخل المكونات اللبنانية؛ طائفياً ومذهبياً؛ سيحول البلد إلى ساحة للنزاعات و التناتش بين هذه المكونات؟ و لعل التجارب السابقة هي اكبر برهان على ذلك. أليس ما يحصل اليوم ، وما حدث خلال الحروب والفتن الداخلية في الماضي شبيها بتجربة التقسيم؟ .. فماذا يريد هؤلاء اليوم؟ وإلى أين سيصل بهم الامر؟
والمفارقة، ان التحذير من مخاطر هذه المطالبات يأتي اليوم من مساعدة وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى باربرا ليف بشكل جدّي وطارئ، فقد حذرت من انهيار لبنان كدولة، وقالت : " إن الأمر ليس احتمالاً بل هو حقيقي ". ولفتت إلى أن الأوان لم يفت بعد لإصلاح الأمور.
بالتوازي، يتصاعد الحديث عن وجوب الانتقال إلى نظام سياسي جديد ، ورغم أن طرح الفيدرالية ليس جديداً، بل يعود الحديث عنها إلى الواجهة عند كل مرحلة سياسية انتقالية، فان هذا الطرح اكثر قبولا لدى بعض الطوائف و الأحزاب كحل لما يعتبرونه سيطرة الطوائف الأخرى على القرار والحكم، فيما يرى فريق أخر فيه طرحاً انعزالياً ومقدمة لتقسيم البلاد، وبالتالي فان أي تجزئة أو فصل بين اللبنانيين، سياسيا كان أو إدارياً او جغرافياً ، لن يؤدي إلى حل على المستوى السياسي في لبنان، بل إلى تصادم أكبر داخل المكوّن الواحد أولاً وبين المكونات الأخرى ثانياً، لا سيما وان هناك تداخلاً واختلاطا بين اللبنانيين ، اكان بالمصاهرة او بالتوزيع الديموغرافي،مما سيؤدي إلى خلافات مستمرة.
ويبقى السؤال الأهم: ماذا لو ادّت هذه المعضلة إلى المزيد من التفكك والشرذمة؟ ، فكيف نعيد تجميع ما تبقى من أجزاء الوطن بعد ذلك؟ ..
من المؤكد أن الحوار والتفاهم على مستقبل البلد، هو الحل الأمثل مع قناعة الجميع، وتحديداً السياسيين بنهائية الكيان اللبناني، لأن الشعب قد تخطّى هذا الأمر بأشواط، ولأن الحل يكون بالبحث عن طروحات تجمع ولا تفرق اللبنانيين الذين لطالما ردّدوا في الحرب الأهلية مقولة : ( لبنان أكبرُ من أن يُبتلع وأصغر من أن يُقسَّم) ...

