هادي بو شعيا - خاص الأفضل نيوز
في خضم الأزمات والاضطرابات المتلاحقة والحروب المشتعلة في أكثر من مكان حول العالم، وفي ظل اعتماد أوروبا الغربية على الولايات المتحدة الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية وحتى يومنا هذا في مجال الدفاع عن نفسها، يبرز توجه جديد تقوده فرنسا وألمانيا في سبيل إنشاء منظومة دفاعية أوروبية خاصة.
بات جليًا أن أوروبا لم تعد تثق بالولايات المتحدة الأميركية في مسألة الدفاع وذلك مرده لسببين إثنين:
- التردد الأميركي في الدفاع عن أوروبا، الذي برز في عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، فضلاً عن وجود مساعٍ أميركيةٍ حثيثة، لدفع أوروبا للاعتماد على نفسها، أو على الأقل المساهمة الفعلية في تكاليف الدفاع سواء البشرية منها أو المادية.
- تزايد الخطر العسكري الروسي في ظل عهد الرئيس فلاديمير بوتين الذي حاول منذ عام 2008 أن يتوسع غربًا، محاولاً إعادة بناء الإمبراطورية الروسية بالقوة العسكرية، خصوصًا أن الخطر الروسي يهدد أوروبا وليس أميركا، وفي حال أتت إدارة جمهورية برئاسة ترامب، الذي كان منسجمًا مع بوتين، ناهيك عن الاتهامات التي سيقت لموسكو بتدخّلها بالانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016 لدعم فوز ترامب، فإن إمكانية سعي واشنطن للدفاع عن بروكسل في حال تعرض أحد دولها لاعتداء روسي لن يكون مضمونًا.
إزاء هذه الوقائع، تشي التحركات السياسية الأوروبية، من زيارات متبادلة، ومؤتمرات موسعة، وتكتلات جديدة، وخطط لتوسعة الاتحاد، وإلغاء للاعتراضات على انضمام دول جديدة، وزيادة للإنفاق العسكري، إلى أن الأوروبيين جادون في توطيد العلاقات وزيادة التنسيق بين دولهم، على الأقل في مجال الدفاع، ثم توسيع الاتحاد الأوروبي ليشمل أغلب الدول الأوروبية، على الأمد البعيد.
غير أن حلف شمال الأطلسي "الناتو" مازال يمثل المظلة الرئيسية للتحالف الغربي، والذراع العسكرية الضاربة له ضد خصومه، وأن هذا الحلف مازال قويًا، بل بات أكثر قوة بعد انضمام فنلندا والسويد إليه، كما ستنضم إليه دول أخرى محتملة في ظروف أخرى قد تكون مشابهة أو مختلفة، خصوصًا مع تزايد الخطر الروسي.
بيد أن توجهات الدول الأوروبية نحو تقليص الاعتماد على الولايات المتحدة تبدو طويلة الأمد، خصوصًا أنها مبنية على مخاوف وليس على رغبة حقيقية، لأن الدول الأوروبية مستفيدة من التحالف الأميركي معها، تحديدًا فيما يتعلق بالدفاع. وفي الوقت نفسه فإن الولايات المتحدة هي الأخرى مستفيدة من التحالف الغربي لأنه يجعل سياساتها الاقتصادية والأمنية والمالية والسياسية قابلة للتنفيذ عالميًا، بما فيها العقوبات التي تفرضها على الدول الأخرى بين الفينة والأخرى.
في المحصلة، بات لزامًا على القارة العجوز تعزيز قوتها الدفاعية وتطويرها بما يسمح لها باستقلالية ذاتية تحررها من شروط و"مزاجية" المارد الأميركي لتصبح قوة موحدة، إلا أن ذلك يتطلب إعادة قراءة ذاتية تنطوي على براغماتية المصالح المشتركة وتحييد القلاقل السياسية والاقتصادية والثقافية الخاصة بكل منها على حدة!

