هادي بو شعيا - خاص الأفضل نيوز
تأتي زيارة وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إلى الصين في وقت شهدت فيه الآونة الأخيرة زيادةً في حدة التوتر بين بكين وواشنطن وعددًا من الحوادث الخطيرة كاقتراب طائرات حربية للطرفين من بعضها بطريقة خطرة في الجوّ ، ومناورات صينية ضد القطع البحرية الأميركية في عرض البحار، ما تسبب في حالة احتقان، واستوجب إصدار تصريحات من الإدارة الأميركية حول ضرورة التواصل لتجنب اشتعال فتيل أزمة بين قطبَي عالم متغير ومتبدّل.
في حين تعلم واشنطن أن بكين متحفزة وتنظر إلى موقف الولايات المتحدة، بدءًا من بحر الصين الجنوبي والحؤول دون سيطرة الصين عليه، فضلاً عن دعم واشنطن العسكري والسياسي لتايوان ومدّها بصفقات الأسلحة، ما أثار مخاوف الصين، وتعيّن على إثرها أن تجري الولايات المتحدة حوارًا في هذا التوقيت الذي يشهد تصعيدًا عسكريًا في المنطقة بين روسيا وأوكرانيا..ولعلّ المطلوب من هذه الزيارة في الأساس هو إطلاع الصين على وجهات النظر الأميركية من جهات متخصصة.
وأما من جهة الصين، فإن لديها مشروعاً إقتصادياً، وخطة ترى أنه لا بد من تنفيذها، وقد أوضح الرئيس الصيني شي جين بينغ أن الصين ستتفوق اقتصاديًا على الولايات المتحدة بحلول العام 2025، والمعروف أن الأزمة بين الطرفين في أساسها اقتصادية وتتعلق بالسيطرة على الأسواق والتجارة العالمية، لكن هناك أيضًا مناوشات عسكرية، ما سيفرض الكثير من الموضوعات على مائدة مباحثات بلينكن في الصين، إلا أن الثقة بين الطرفين مفقودة لكن الزيارة ستسعى إلى تخفيض حدة التوتر بمحاولات دبلوماسية.
إذًا لا بد من الإقرار بأن الزيارة لن تهدئ الخلافات، خصوصًا في ظل تصاعدها، وتعدد نقاط الاختلافات بين البلدين، بدءًا من التدخل الأميركي في تايوان، مرورًا بالمطالبات الإقليمية للصين في بحر الصين الجنوبي، ووصولاً إلى معركة الرقائق الإلكترونية، كما لا يمكن أن نغفل عن مسألة في غاية الأهمية تتلخص بالحديث عن قيام شركة أميركية بتحميل الصين مسؤولية هجمات سيبرانية بغية التجسس على الولايات المتحدة الأمريكية وهو اتهام ترفضه بكين جملةً وتفصيلا.
وبالعودة إلى لغة المنطق السياسي يمكن القول إن الزيارة تمثل محاولةً لفتح قنوات اتصال بين البلدين، وقد جاءت بعد لقاء الرئيسين الأميركي جوزف بايدن والصيني شي جين بينغ العام الماضي في قمة العشرين، فيما تفيد التقارير الواردة من بكين بأن الخارجية الصينية أشارت إلى رغبة بكين في فتح باب الاتصالات مع أمريكا، ولكنها حذرت من مغبة الخطأ الاستراتيجي الذي تبني عليه الولايات المتحدة موقفها باعتبارها الصين منافستها الاستراتيجية والرئيسية، وهو خطأ في تقدير العلاقات التي تمثل تحدي القرن، وأي توتر في هذه العلاقات سينعكس على العالم برمّته.
ويبقى السؤال الجوهري حول تأثير التقارب الذي تسعى إليه واشنطن مع بكين على العلاقات الروسية الصينية، خصوصًا أن موسكو تمثل الحليف الاستراتيجي والرئيسي للصين في ظل وجود هدف مشترك للطرفين بمعارضة توسع حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وهو ما تراقبه بكين بدقة، الأمر الذي من شأنه أن ينتج زيادة في مستويات التنسيق بين الصين وروسيا في حال تابعت الولايات المتحدة تحركاتها وخطواتها في هذا المجال.
في المحصلة، وبالاستناد إلى المنطق الجيوسياسي والجيو-استراتيحي الذي تنتهجه واشنطن، لا يمكن تحميل زيارة وزير الخارجية الأميركي إلى بكين أكثر مما تحتمل، إنما تندرج في سياق تحصيل ما هو حاصل، دون أن تكون كفيلة بتهدئة التوترات، خصوصًا مع زيادة الضغوط الأميركية ومحاولاتها الحثيثة لتوسيع دائرة التحالفات ضد بكين.

