مهدي عقيل - خاص الأفضل نيوز
إن أقل ما يقال اليوم في الموضوع السعودي، أننا أمام ولادة الدولة السعودية الرابعة بقيادة ولي العهد الأمير الشاب محمد بن سلمان، نتيجة تطورات جمّة طرأت على نظام الحكم في المملكة وسياساتها الخارجية وأحدثَت تحولات وارتدادات على المنطقة كلها، لكن السؤالَ الجوهريَّ اليوم، في زحمة تلك التطورات والدور الواعد للمملكة، ماذا عن العلاقات التي كانت مرتقبةً مع الكيان الإسرائيلي؟ وهل يتحقّق التطبيع ؟ أم باتَ أمراً مستبعداً ؟
في ذروة الصراع بين المملكة وإيران عام 2018، سواء في اليمن أو في غيره من البلدان العربية حيث النفوذ الإيراني، وفي ظل الشحن الغربي والإسرائيلي لبَثّ روح العداء بين العرب وإيران، كانت الأجواء تشي بأن بن سلمان في طريقه إلى التطبيع مع إسرائيل، وقال آنذاك في تصريحات لمجلة "ذا أتلانتيك" الأمريكية "إن لشعب إسرائيل الحق في العيش على أرضه بسلام".
وفي عام 2020، طبّعت أربع دول عربية (الإمارات، البحرين، المغرب والسودان) علاقاتها مع العدو في إطار اتفاقات "إبراهام"، وأُطلق العنان في حينه للكَتَبةِ والمحلّلين وأصحاب الأعمدة في صحف عربية لترويج فكرة التطبيع واعتباره أمراً عادياً ومن ضرورات ومستلزمات المرحلة، ووصل الأمر بالبعض إلى أن موضوع تطبيع علاقات المملكة السعودية مع العدو قد بات مسألة وقت ليس إلّا.
وفي الواقع، وبعد ثلاث سنوات على حفلة التطبيع العربية، وثلاثة أشهر على اتفاق بكين، الذي قضى بالمصالحة بين الرياض وطهران وعودة العلاقات الدبلوماسية بينهما، تبيّن أن بن سلمان يتعاطى بموضوع التطبيع من موقعه كقائد فذّ للمملكة ببعديها الإقليمي والإسلامي، وينظر إلى التطبيع من ناحيتين مرفقتين بشروط صعبة؛ فمن الناحية الأولى، يرى مراقبون أن الدور الريادي المرتقب للسعودية كلاعب أول أو رئيسي في الإقليم، يحتاج بصورة أو بأخرى إلى التطبيع، بحيث يتم تعبيد الطريق أمام رؤية 2030، ولا سيما مشروع مدينة "نيوم" الشهير على شواطئ البحر الأحمر، إذ يرى أنصار التطبيع بأنه من الصعوبة بمكان نجاح هذا المشروع دون تطبيع العلاقات مع إسرائيل لتوفير سلامة أمن الملاحة في البحر الأحمر على الأقل، خصوصاً بعد أن تتسلم السعودية جزيرتَي تيران وصنافير من مصر بصورة نهائية.
أما من الناحية الثانية، فإن السعوديةَ معنيّة بالقضية الفلسطينية بالدرجة الأولى، ولا يمكنها التعاطي معها بخفّة، ولذلك لا بدّ لها من الالتزام بمبادرة السلام العربية التي أطلقها ولي العهد الأمير عبد الله بن عبد العزيز في قمة بيروت عام 2002، قبل أن يصبح ملكاً عام 2005 ، والقاضية بإنهاء احتلال جميع الأراضي العربية المحتلة عام 1967، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، ومنح الشعب الفلسطيني حق تقرير المصير.
يضاف إلى ذلك شروط سعودية طالما رفضتها مراكز القرار الإسرائيلية حفاظاً على تفوق "دولة" الكيان على محيطها العربي والإسلامي إذا أمكن، والتي تتعلق بعودة صفقات الأسلحة إلى طاولة المفاوضات مع الإدارة الأميركية، وتَبَني الأخيرة إقامة برنامج نووي كامل على أرض المملكة، وإجراء تحالف دفاعي معها.
فهل تقبل تل أبيب شروط الرياض وتستحوذ على صيد التطبيع الثمين الذي يغنيها عن "تطبيعات" إبراهام الأربعة السابقة؟ وهل تُلبي واشنطن مطالب السعوديين كُرمى إبعادهم عن الصين وعودتهم للسير في الركب الأميركي بلا مشاغبة؟
لقد حسمَ الأمير الشاب محمد بن سلمان الإجابةَ على هذه التساؤلات وقال : " فليطبّقوا مبادرةَ السلام العربية التي أطلقت في قمة بيروت عام 2002 وبعدها لكل حادث حديث"...


